اتفاق جديد ينهي «قسد» ويفتح الباب لدمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية

أعلنت قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، التي يقودها الأكراد، حلّ نفسها تمهيداً للاندماج في القوات والمؤسسات الأمنية التابعة للدولة السورية، في إطار اتفاق جديد مع الحكومة الانتقالية في دمشق، يتضمن الاعتراف باللغة الكردية ودمج وحدات حماية المرأة ضمن قوات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب.
وجاء الإعلان عقب اجتماع بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في خطوة تمثل تحولاً كبيراً في مستقبل المناطق الخاضعة سابقاً لنفوذ «قسد»، وتنهي عملياً مرحلة استمرت سنوات من وجود قوة عسكرية وإدارية مستقلة عن مؤسسات الدولة المركزية.
وقال عبدي، في بيان متلفز عقب الاجتماع، إن قوات سوريا الديمقراطية أكملت مهمتها، وإن المرحلة المقبلة ستشهد اندماجها في القوات العسكرية الوطنية، معتبراً أن الاتفاق يمثل انتقالاً من مرحلة الصراع المسلح إلى مرحلة جديدة تقوم على بناء الدولة والتنمية.
وأضاف أن الهدف هو أن يكون هذا اليوم «انتقالاً حقيقياً من ساحة المعركة إلى ساحة التنمية، ومن عصر السلاح إلى عصر السلام، ومن الدفاع عن سوريا إلى بناء سوريا».
وتشكلت قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 من تحالف ضم فصائل كردية وعربية، ولعبت دوراً رئيسياً في الحرب ضد تنظيم «داعش»، بدعم عسكري وسياسي من الولايات المتحدة، التي قدمت لها الغطاء الجوي والدعم خلال المعارك التي انتهت بإخراج التنظيم من مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا.
وسيطر التحالف، في ذروة قوته، على مساحات شاسعة من شمال وشرق البلاد، وأقام هياكل عسكرية وإدارية خاصة به، الأمر الذي جعل ملف دمجه في الدولة السورية أحد أكثر الملفات تعقيداً بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وكانت دمشق و«قسد» قد توصلتا مبدئياً إلى اتفاق لدمج القوات في 29 يناير/كانون الثاني الماضي، إلا أن الخلافات بشأن آليات التنفيذ وشروط الدمج أدت إلى تعثر العملية، قبل أن تتصاعد التوترات في بعض المناطق إلى اشتباكات عنيفة.
لكن الاتفاق الجديد يبدو أنه يتجاوز الجانب العسكري، ليشمل ترتيبات سياسية وثقافية وأمنية مرتبطة بالمكون الكردي ودوره في الدولة السورية الجديدة.
ونشرت وكالة أنباء سورية تفاصيل قالت إنها تمثل بنود الاتفاق بين عبدي والشرع، ومن أبرزها الاعتراف باللغة الكردية ضمن الإطار الوطني، والسماح بتدريس المواد النظرية باللغة الكردية في المدارس، وهي خطوة من شأنها أن تشكل تحولاً في التعامل الرسمي مع الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد في سوريا.
كما يتضمن الاتفاق دمج وحدات حماية المرأة «YPJ»، وهي تشكيل عسكري نسائي بارز ضمن قوات سوريا الديمقراطية، في وزارة الداخلية، على أن تعمل ضمن قوات الأمن الداخلي ووحدات مكافحة الإرهاب.
ولم يصدر، وفقاً للمعلومات الواردة، تأكيد رسمي شامل من وزارة الإعلام السورية بشأن جميع التفاصيل المتداولة، إلا أن الإعلان عن حل «قسد» وبدء مسار الاندماج يمثل أحد أهم التطورات السياسية والعسكرية في سوريا منذ تشكيل الحكومة الانتقالية.
ورحبت عدة دول إقليمية بالاتفاق، وفي مقدمتها تركيا والسعودية. وتنظر أنقرة منذ سنوات إلى التشكيلات الكردية المسلحة في شمال سوريا باعتبارها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تنظيماً إرهابياً.
وقال مدير الاتصالات في الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن حل قوات سوريا الديمقراطية يمثل خطوة مهمة لتعزيز سلطة الدولة السورية وتوحيد مختلف مكونات المجتمع، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة استمرار دمشق في تبني نهج شامل لضمان الاستقرار الدائم.
ويأتي الاتفاق في وقت تواجه فيه الحكومة السورية الانتقالية تحدياً كبيراً يتمثل في إعادة توحيد دولة أنهكتها الحرب والانقسامات السياسية والطائفية والعرقية، بعد سنوات من تعدد القوى العسكرية وتوزع مناطق النفوذ بين جماعات وفصائل محلية ودولية.
وشهدت سوريا خلال المرحلة الماضية اشتباكات دامية بين جماعات مسلحة وقوات أمن، شملت مناطق تقطنها أقليات علوية ودرزية وكردية، ما جعل ملف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية أحد الشروط الأساسية أمام استقرار البلاد.
كما يمثل حل «قسد» تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه الملف السوري، إذ كانت القوات الكردية لسنوات الشريك العسكري الرئيسي لواشنطن في الحرب ضد «داعش». غير أن الولايات المتحدة، بحسب المعطيات الواردة، تراجعت عن دعمها السابق لـ«قسد» لصالح السلطات الجديدة في دمشق، بالتزامن مع توسع سيطرة الحكومة السورية على أجزاء من المناطق التي كانت تخضع لنفوذ القوات الكردية.
وبينما يفتح الاتفاق الباب أمام إنهاء واحدة من أكبر القوى العسكرية المستقلة في سوريا، يبقى نجاحه مرهوناً بآليات التنفيذ الفعلية، وقدرة دمشق و«قسد» على تجاوز الخلافات السابقة، وضمان دمج القوات والمناطق والمؤسسات ضمن صيغة سياسية وأمنية جديدة.















