هجومان في الأردن يثيران تساؤلات حول الإفراج عن محكومين سابقين

لم يكتمل استيعاب الصدمة التي أحدثها هجوم كنيسة حمود في محافظة الكرك جنوب المملكة، حتى ضربت هزة جديدة العاصمة عمان، مما أثار جدلاً واسعاً حول آليات إعادة التأهيل والإفراج عن السجناء. فقد تعرض رجل الأمن جواد السلايطة، العريف في قوى الأمن العام، لهجوم مسلّح أمام السفارة السريلانكية في العاصمة، أسفر عن مقتله على يد شخص سبق أن حُكم عليه في قضايا إرهابية.
وتربط هذه الحادثة الثانية الأولى من خلال تورط أشخاص لديهم سجلات جنائية مرتبطة بتأييد تنظيم داعش، وهو ما كشفته قرارات قضائية رسمية. وقد أعاد هذا التداخل التساؤلات حول فعالية برامج الإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، ومدى دقة تقييم المخاطر قبل منح المحكومين حرية التنقل، وكيفية ضمان رقابة مشددة عليهم بعد خروجهم إلى المجتمع.
وكشفت وثائق قانونية اطلعت عليها شبكة سي إن إن العربية عن تفاصيل دقيقة حول خلفية منفذ هجوم السفارة، وهو مهند الحموري، الذي يحمل شهادة في الهندسة الكهربائية من جامعة اليرموك. وقد صدر ضده حكم بالسجن لمدة تسع سنوات من الأشغال المؤقتة في عام 2022، حيث أنهى فترة محكوميته قبل أيام قليلة فقط من ارتكاب الهجوم الأخير.
وكانت محكمة التمييز قد أيدت في عام 2022 الحكم الصادر عن محكمة أمن الدولة بحق الحموري، بعد إدانته بالتآمر لارتكاب أعمال إرهابية، ونشر أفكار جماعات محظورة، والمحاولة للالتحاق بتنظيمات مسلحة. ويظهر الحكم أن ارتباط الحموري بداعش بدأ في عام 2014، إثر تأثره بأفكار التنظيم ومتابعة إصداراته، ومبايعة زعيمه آنذاك أبو بكر البغدادي.
وقام الحموري بتجديد بيعة الولاء لخلف البغدادي، أبي إبراهيم الهاشمي القرشي، في عام 2019. كما تواصل عبر تطبيق تيليجرام مع أحد عناصر التنظيم لاستفسار عن طرق آمنة للوصول إلى سيناء والالتحاق بصفوفهم، بمشاركة متهمين آخرين في القضية، لكن الخطة أُجلت خشية القبض عليهم من قبل الجيش المصري.
وفي عام 2019، انتقل الحموري من التأثر الفكري إلى التخطيط العملي لتنفيذ هجوم داخل الأراضي الأردنية. فقد اتفق مع صديق له على استهداف مركز أمني شمال مدينة إربد، وقاما بجولة معاينة للموقع وتخطيط لكيفية تأمين الأسلحة النارية اللازمة للتنفيذ.
وقبض على المتورطين في هذه المخططات في الثالث من فبراير شباط عام 2020، قبل تنفيذ العملية بأيام. وتشير التفاصيل القضائية إلى أن الحموري كان جزءاً من خلية نشطة حاولت تحويل الأفكار المتطرفة إلى أفعال ملموسة، مما يعزز القلق بشأن عودة مثل هذه العناصر إلى المجتمع دون رقابة كافية.
ويأتي هجوم الكنيسة في الكرك، الذي وقع قبل أسبوعين من هجوم السفارة، في سياق نفس النمط من التورط السابق. وقد أدى الهجومان المتتاليان إلى فتح ملف المحكومين السابقين في قضايا الإرهاب للنقاش العام، وسط مطالبات بمراجعة شاملة لسياسات الإفراج المبكر أو المشروط.
وأكدت السلطات الأردنية وصفها للهجوم في عمان بأنه عمل إرهابي، مؤكدة أن الجاني كان محكوماً سابقاً. وهذا الوصف الرسمي يتوافق مع الاستنتاجات المستخلصة من السجلات القضائية التي تربط بين المنفذين وأيديولوجيات التطرف المسلح.
وتبرز هذه الأحداث فجوة محتملة في نظام العدالة الجنائية الأردني فيما يتعلق بإعادة الدمج الاجتماعي للمجرمين السياسيين أو الإرهابيين. فبينما تهدف البرامج الإصلاحية إلى تغيير السلوك، تشير الوقائع الحديثة إلى أن بعض المحكومين قد يحتفظون بتوجهاتهم المتطرفة أو يعودون إليها بمجرد خروجهم تحت الرقابة.
ويركز النقاش الآن على ضرورة تعزيز آليات المتابعة بعد الإفراج، وضمان أن تكون تقييمات الخطورة مستندة إلى معايير علمية ودقيقة، وليس فقط إلى انقضاء مدة العقوبة الزمنية. كما يطرح السؤال حول مدى كفاءة التنسيق بين أجهزة الأمن ومراكز الإصلاح لتبادل المعلومات حول تطور سلوك النزلاء.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية التي قد تدفع الأفراد نحو العودة إلى العنف. لذا، فإن مراجعة السياسات الحالية تبدو ضرورية لمنع تكرار مثل هذه الهجمات التي تهيب السلام والاستقرار في المملكة.
وتستمر التحقيقات في تفاصيل الهجومين لتحديد وجود روابط أخرى أو خلايا ناشطة لم يتم الكشف عنها بعد. كما تتابع الجهات المختصة حالة المصابين في هجوم الكرك، الذي شهد زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني لهم، في إطار الدعم الحكومي الشامل للمتضررين وعائلاتهم.
وفي ظل هذه التطورات، تظل الثقة العامة في قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على حماية المواطنين هي المحك الحقيقي لفاعلية الإصلاحات المقترحة. وأي تقصير في هذا المجال قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات وزعزعة الاستقرار الداخلي.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















