أزمة مياه حادة في تعز.. الحوثيون يحرمون مليوني نسمة من الشرب

تواجه مدينة تعز اليمنية، ثالث أكبر المدن في البلاد، أزمة إنسانية متفاقمة بشكل كبير مع تراجع إمدادات مياه الشرب إلى مستويات حرجة للغاية. ويعود هذا التدهور الحاد في الوضع المائي إلى القيود المشددة التي تفرضها جماعة الحوثي على حركة الطرق ومصادر المياه الأساسية، بالإضافة إلى النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل محطات الضخ ومحطات التحلية. ويأتي ذلك في ظل استمرار الحصار المفروض على المدينة وتصاعد وتيرة المواجهات العسكرية بين القوات الحكومية والمسلحين، مما يعمق المعاناة اليومية للسكان.
وتشير تقارير المنظمات الإنسانية إلى أن أكثر من مليون شخص في تعز باتوا يواجهون صعوبات متزايدة وغير مسبوقة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية من المياه. وقد تراجعت قدرة شبكات الإمداد الحالية بشكل كبير عن تلبية الطلب المتزايد، بينما أصبحت صهاريج نقل المياه تواجه عراقيل كبيرة وعوائق مادية تمنع وصولها إلى الأحياء السكنية المختلفة، مما يعطل سلاسل التوريد الحيوية للمواطنين.
وبحسب بيانات منظمة «أنقذوا الأطفال»، انخفض إنتاج المياه في المدينة بنحو 50% مقارنة بالفترة السابقة، فيما ارتفعت تكلفة نقل المياه عبر الصهاريج إلى نحو ثلاثة أضعاف. ووصل سعر النقل إلى قرابة 70 ألف ريال يمني، بعد أن كان في حدود 23 ألف ريال قبل تجدد التصعيد العسكري، مما يجعل المياه سلعة غير متاحة للكثيرين.
وتعود جذور الأزمة بصورة أساسية إلى تقييد الوصول إلى الآبار ومصادر المياه المحيطة بالمدينة، ومن بينها حوض الضباب الذي يمثل أحد المصادر الرئيسية لتزويد السكان بالمياه العذبة. كما تسببت صعوبة إدخال الإمدادات والوقود عبر الطرق المؤدية إلى تعز في تعطل محطات الضخ نتيجة نقص الديزل، مما أغلق مصادر الإمداد الرئيسية.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على صعوبة الحصول على المياه فحسب، بل امتدت آثارها إلى ارتفاع أسعار المياه المعبأة بشكل جنوني. إذ باتت بعض الأسر تستخدم الكميات التي كانت تكفيها ليوم واحد على مدى أربعة أيام، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى شراء المياه بالدين أو الاستغناء عن بعض احتياجاتها اليومية الأخرى لتوفير الماء للشرب.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن تراجع إمدادات المياه، بالتزامن مع تراكم النفايات وتعطل خدمات الصرف الصحي، يرفع احتمالات انتشار الأمراض المعدية، وفي مقدمتها الكوليرا والأمراض المرتبطة بتلوث المياه. كما أن نقص الوقود يهدد استمرار عمل المستشفيات ومولدات الكهرباء ومرافق الخدمات الأساسية، مما يزيد من خطورة الوضع الصحي.
وكان منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، قد حذر في 20 أكتوبر الماضي من التدهور السريع للأوضاع الإنسانية والاقتصادية في تعز. ودعا السلطات الحوثية إلى فتح ممرات آمنة أمام دخول الوقود والمواد الغذائية والأدوية والمساعدات الإنسانية من دون عوائق، لإنقاذ حياة المدنيين.
وتتزامن أزمة المياه مع تدهور أوسع في الأوضاع المعيشية، إذ أدى إغلاق الطرق إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وتعطيل وصول المساعدات إلى مئات الآلاف من المحتاجين. وحذر برنامج الأغذية العالمي من تعذر الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص يعتمدون على المساعدات الإنسانية في تعز، مما يفاقم خطر المجاعة.
وتعيد هذه الأزمة تسليط الضوء على المعاناة الممتدة لسكان المدينة منذ سنوات، في ظل استمرار القيود على الطرق ومصادر الإمداد. وتحولت المياه والغذاء والوقود إلى احتياجات يصعب تأمينها يومياً، مما يضع ضغطاً هائلاً على كاهل الأسر اليمنية.
ومع استمرار التصعيد العسكري، تبدو تعز أمام خطر كارثة إنسانية متكاملة، لا تقتصر على نقص مياه الشرب، بل تهدد الصحة العامة والأمن الغذائي وقدرة المؤسسات الصحية والخدمية على مواصلة العمل. ويجعل هذا الوضع فتح الطرق وتأمين وصول المساعدات ضرورة عاجلة لحماية المدنيين من تداعيات الكارثة الوشيكة.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار الوطن الخليجية.















