خامنئي الجديد يعيد الحرس القديم.. إيران تستعد لحرب طويلة في الداخل والخارج

تتجه القيادة الإيرانية الجديدة إلى إعادة تشكيل هيكلها الأمني والسياسي عبر الدفع بشخصيات من الحرس القديم إلى مواقع القرار، في خطوة تعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع تعزيز القبضة الداخلية والاستعداد لاحتمال صراع طويل لا يبدو أن طهران أو واشنطن راغبتين في إنهائه سريعاً.
وكشف تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “إيران تستعد للحرب في الداخل والخارج” عن سلسلة تعيينات أجراها المرشد الإيراني الجديد خلال الستين يوماً الأولى من عمر مذكرة التفاهم، أظهرت ميلاً واضحاً نحو الشخصيات المتشددة التي تشكلت تجربتها السياسية والعسكرية خلال الثورة الإيرانية والحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي.
وتضم التعيينات الجديدة عدداً من الشخصيات التي تربطها علاقات قديمة ومباشرة بالقيادة الإيرانية الجديدة، وفي مقدمتها محسن رضائي، الذي عُين رئيساً لمجلس الأمن القومي، وحسين طائب، الذي تولى قيادة قوات الباسيج.
وينتمي رضائي وطائب إلى جيل الثورة والحرب العراقية الإيرانية، وهي المرحلة التي تشكلت خلالها شبكة العلاقات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية. وكان محسن رضائي قائداً عسكرياً خلال الحرب، فيما خدم حسين طائب في الكتيبة نفسها التي ارتبطت بقيادة خامنئي.
ويحمل اختيار هذه الشخصيات دلالات تتجاوز مجرد ملء المناصب الأمنية، إذ يبدو أن القيادة الجديدة تراهن على إعادة إنتاج خبرة جيل نشأ في ظروف الحرب والعزلة والعقوبات، ويؤمن بأن تقديم التنازلات لا يمثل بالضرورة طريقاً إلى الاستقرار.
ويُعتقد أن محسن رضائي لا يزال من أبرز أنصار تصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة من أجل تحسين شروط التفاوض وانتزاع تنازلات أكبر. ويعيد هذا الموقف إلى الأذهان موقفه خلال الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، عندما عارض وقف الحرب، انطلاقاً من اعتقاده بأن استمرار القتال يمكن أن يدفع العراق إلى تقديم تنازلات إضافية على طاولة المفاوضات.
وتأتي هذه التعيينات بينما لا تزال القيادة الإيرانية تواجه صعوبات في صياغة استراتيجية واضحة وقابلة للحياة لردع واشنطن، وفق محللين في الشأن الإيراني. لكن الأزمة لا تبدو مرتبطة فقط بغياب استراتيجية متكاملة، بل أيضاً بحقيقة أن طهران وواشنطن لا تظهران في الوقت الراهن رغبة واضحة في إنهاء الصراع بصورة نهائية.
ويرى مراقبون أن خامنئي الجديد أحاط نفسه بشخصيات تمتلك استعداداً مزدوجاً؛ التفاوض عندما ترى أن الظروف مناسبة، والاستعداد لإطالة أمد المواجهة عندما تكون التسوية المقترحة أقل من مستوى الضمانات التي تطلبها طهران.
ويمثل ذلك، بحسب التحليل، تحولاً في طريقة إدارة القرار الإيراني، إذ لا يبدو أن القيادة الجديدة تنظر إلى الدبلوماسية والحرب باعتبارهما خيارين متناقضين، بل باعتبارهما أداتين يمكن استخدامهما بالتوازي.
وقال سينا توسي، الخبير في الشأن الإيراني في مركز السياسة الدولية في واشنطن، إن ما يجري يمثل “محاولة من مجتبى خامنئي لوضع بصمته على هيكل الأمن القومي في إيران، قبل كل شيء”.
وأضاف أن ذلك “لا يعني أن إيران تدير ظهرها للدبلوماسية مع الولايات المتحدة، بل يشير إلى نهج أكثر تشدداً في الدبلوماسية”.
وأوضح توسي أن إيران “مستعدة للانخراط في مفاوضات لإنهاء الحرب، لكنها مستعدة أيضاً لصراع طويل الأمد بدلاً من قبول تسوية منقوصة أو مؤقتة قد تجعلها عرضة لضغوط أو هجمات أمريكية متجددة”.
ولا تقتصر الاستعدادات الإيرانية الجديدة على جبهة المواجهة الخارجية، بل تمتد إلى الداخل، حيث تبدو القيادة أكثر قلقاً من تداعيات أي صراع طويل على الاستقرار الداخلي.
وقال أوميد ميماريان، المحلل المختص بالشأن الإيراني في منظمة “دون” في واشنطن، إن التعيينات الأخيرة تشير إلى أن مجتبى خامنئي “ما زال واثقاً بصورة أكبر في الحرس القديم”، خصوصاً بعد الثغرات الكبيرة التي كشفت عنها الحرب.
وحذر ميماريان من أن المجتمع الإيراني “بات يشبه إلى حد متزايد قدراً يغلي، وقد ينفجر في أي لحظة دون سابق إنذار”.
ويفسر هذا القلق، بحسب التحليل، جانباً من أهمية تعيين قائد جديد لقوات الباسيج، باعتبارها إحدى أبرز أدوات النظام في ضبط الداخل ومواجهة الاحتجاجات.
وقال ميماريان إن استراتيجية المواجهة الخارجية تصبح أكثر قابلية للاستمرار عندما تعتقد القيادة أنها قادرة على السيطرة على تداعياتها السياسية والاجتماعية داخل البلاد.
ويكشف هذا الربط بين تعيينات الأمن القومي والباسيج أن طهران تستعد لمعركة على جبهتين في الوقت نفسه؛ جبهة خارجية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وجبهة داخلية لمنع تحول الضغوط الاقتصادية والسياسية إلى انفجار شعبي.
وقال هادي برهاني، المحلل السياسي وأستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة طهران، إن المتشددين اكتسبوا زخماً كبيراً، انطلاقاً من قناعة بأن الغرب “لا يمكن الوثوق به إطلاقاً”، وأن التطورات الأخيرة عززت هذا الاتجاه.
وأضاف أن المتشددين يرون أن “اللغة الوحيدة التي يفهمها الغرب هي المقاومة والردع العسكري، وجعل أي تدخل غربي في منطقتنا باهظ التكلفة للغاية”.
في المقابل، رأى عبد الرسول ديفسالار، الخبير في الشؤون الإيرانية بجامعة ميلانو الكاثوليكية، أن التعيينات الأخيرة تعكس مساعي طهران المتعثرة لبلورة نهج جديد للردع في مواجهة واشنطن.
وقال إن الشخصيات الجديدة تحمل “نوعاً من البراغماتية والرغبة في البحث عن حل من أجل ضمان أمنهم”.















