أبوظبي تُشرعن الزواج المدني.. 43 ألف عقد منذ 2021 في تحدٍ لهوية الدولة والشريعة

أعلنت دائرة القضاء في أبوظبي عن تسجيل أكثر من 43 ألف عقد زواج مدني منذ صدور القانون رقم (14) لسنة 2021 بشأن “الزواج المدني وآثاره”، وهو ما اعتبره مراقبون تحولًا جذريًا في البنية التشريعية للإمارة وخطوة غير مسبوقة في دولة يُفترض أن تستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية.
وخلال النصف الأول من العام الجاري فقط، تم تسجيل أكثر من 10 آلاف عقد أمام محكمة الأسرة المدنية، بزيادة تقارب 20% عن الفترة نفسها من العام الماضي. هذه الأرقام الضخمة تكشف عن حجم الإقبال المتصاعد، لكنها في المقابل تعمّق الانقسام المجتمعي والديني حول هوية الدولة ومسارها التشريعي.
المحكمة المدنية الأولى في المنطقة
وصرح المستشار يوسف سعيد العبري، وكيل دائرة القضاء في أبوظبي، بأن الإقبال يعكس “جودة الخدمات القضائية المبتكرة” التي تقدمها الإمارة. وأضاف أن إنشاء أول محكمة أحوال شخصية مدنية للأجانب في المنطقة جعل من أبوظبي “وجهة مفضلة للراغبين في الزواج المدني”، مشيرًا إلى اعتماد اللغتين العربية والإنجليزية لتسهيل الإجراءات.
وبحسب التقرير الإحصائي، ارتفع عدد العقود المسجلة من نحو 5400 عقد في 2022 إلى أكثر من 16 ألف عقد في 2024، وصولاً إلى 10 آلاف عقد خلال النصف الأول من 2025 وحده، ما يؤكد التوسع السريع لهذا النوع من الزواج.
خدمات غير مسبوقة
محكمة الأسرة المدنية في أبوظبي لا تقتصر خدماتها على تسجيل الزواج المدني فقط، بل تقدم حزمة أوسع تشمل:
الطلاق المدني بلا ضرر بجلسة واحدة فقط.
الحضانة المشتركة التلقائية بعد الطلاق.
توثيق اتفاقيات ما قبل الزواج.
تسجيل الوصايا المدنية وتقسيم التركات بالتساوي بين الأبناء، بغضّ النظر عن الجنس.
تصف السلطات هذه الخطوات بأنها “نقلة نوعية” تعزز ما تسميه “بيئة تشريعية حديثة تدعم التنوع الثقافي وتستقطب الكفاءات الأجنبية”، في إشارة إلى أن المستهدف بالدرجة الأولى هم المقيمون غير المسلمين.
الجدل الديني والشرعي
غير أن الواقع مختلف تمامًا. فـ”الزواج المدني” أو ما يُعرف بالزواج العلماني، يقوم على إلغاء الفوارق الدينية والمذهبية، ويتيح زواج مختلفي الأديان أو الطوائف دون أي قيود، وهو ما يعتبره العلماء والفقهاء مخالفًا صريحًا لأحكام الشريعة الإسلامية التي تضع شروطًا دقيقة لعقد الزواج.
كما أن الديانات السماوية الثلاث – الإسلام والمسيحية واليهودية – لا تعترف بعقود الزواج التي تتم خارج الأطر الدينية، الأمر الذي يجعل من هذه العقود مثار جدل واسع في الأوساط الدينية والحقوقية على السواء.
انقلاب على الدستور
المثير للانتباه أن هذه الخطوة تأتي في ظل نص دستوري واضح في المادة (7) من الدستور الإماراتي التي تنص على أن:
“الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه.”
ويرى مراقبون أن أبوظبي بسنها قانون الزواج المدني وتوسيعه عمليًا، تسير بخطى متسارعة نحو تبني العلمانية الكاملة، في انقلاب جوهري على الأساس الدستوري والهوية الدينية للدولة. هذا التحول يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مدى التزام النظام الحاكم بالمرجعية الإسلامية التي نص عليها الدستور.
دوافع سياسية واقتصادية
من زاوية أخرى، يرى محللون أن التوسع في الزواج المدني ليس مجرد قرار تشريعي، بل جزء من استراتيجية سياسية واقتصادية تهدف إلى تقديم أبوظبي كوجهة “عالمية منفتحة” تستقطب الكفاءات الأجنبية ورؤوس الأموال.
فالخطاب الرسمي يربط باستمرار بين القوانين الجديدة و”جاذبية الاستثمار”، باعتبار أن خلق بيئة قانونية مرنة للأجانب يزيد من ثقتهم ويعزز استقرارهم داخل البلاد. لكن هذه الحسابات الاقتصادية تأتي على حساب القيم الدينية والاجتماعية، ما يعزز من المخاوف بشأن تفكيك الهوية الثقافية للمجتمع الإماراتي.
ردود فعل شعبية
رغم محاولات الترويج الرسمية، لم تمر هذه الخطوات دون اعتراض. ففي الأوساط الشعبية الإماراتية، وبخاصة المحافظة منها، تُطرح تساؤلات حول مستقبل النسيج الاجتماعي في ظل إدخال تشريعات “مستنسخة” من الغرب، تتعارض مع القيم الإسلامية والعربية.
ويرى بعض المراقبين أن النظام في أبوظبي يتبنى نهجًا “فوقيًا” بفرض قوانين حساسة دون حوار مجتمعي أو مراعاة للخصوصية الدينية والثقافية، ما يفتح الباب أمام تصدعات داخلية لا تقل خطورة عن التحديات الاقتصادية والأمنية.
مقارنة إقليمية
يجدر بالذكر أن الإمارات تُعد الدولة الخليجية الأولى التي تشرعن الزواج المدني بهذه الصيغة الواسعة، في حين لا تزال باقي الدول – كالسعودية والكويت وقطر – ترفض أي تشريع مماثل، وتؤكد على التمسك الكامل بالشريعة الإسلامية كأساس للأحوال الشخصية.
هذا التباين يجعل من تجربة أبوظبي حالة استثنائية في المنطقة، لكن أيضًا مثيرة للريبة، خاصة في ظل توجهها العام نحو التطبيع مع إسرائيل واعتماد قوانين اجتماعية تتماهى مع النموذج الغربي.















