ترامب يضرب تماسك الناتو من الداخل رغم عجزه عن الانسحاب

لا يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من حلف شمال الأطلسي بمفرده، لكنه يمتلك أدوات سياسية وعسكرية تمكّنه من إضعاف الحلف وتقويض تماسكه، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
وأبرز موقع أكسيوس الأمريكي أن ترامب يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة مع الحلفاء، عبر خطاب حاد وسلوك سياسي يضعف الثقة المتبادلة داخل الناتو، رغم استمرار عضوية الولايات المتحدة فيه، التي تُعد منذ عام 1949 العمود الفقري للتحالف عبر الأطلسي.
وقد حذّر خبراء من أن هذا النهج يهدد بتآكل الثقة داخل الحلف، إذ قال أستاذ السياسة الدولية في جامعة برمنغهام مارك ويبر إن كثيراً من الأوروبيين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها “غير موثوقة”، حتى في حال بقائها داخل الناتو.
وصعّد ترامب من انتقاداته للحلف، وكتب عقب اجتماع مغلق مع الأمين العام مارك روته أن “الناتو مخيب للآمال للغاية”، مؤكداً أن الحلفاء لا يستجيبون إلا تحت الضغط، في رسالة تعكس تصاعد التوتر داخل أروقة التحالف.
ووجّه ترامب انتقادات متكررة للدول الأوروبية بسبب عدم التزامها بمستهدفات الإنفاق الدفاعي، كما اتهمها بالتقاعس عن دعم الحرب على إيران، رغم أن بعض هذه الدول قدمت دعماً لوجستياً محدوداً، فيما أكد حلفاء واشنطن أن القرار العسكري الأمريكي اتُخذ دون التشاور معهم.
وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن “الناتو تم اختباره وفشل”، في موقف يعكس رؤية الإدارة الأمريكية الحالية للحلف، ويؤشر إلى تصدع سياسي داخل التحالف العسكري الأبرز في العالم.
رغم ذلك، لا يستطيع ترامب الانسحاب رسمياً من الناتو دون موافقة الكونغرس، بموجب قانون أُقر عام 2023، ما يقيّد قدرته على اتخاذ قرار أحادي بإنهاء عضوية الولايات المتحدة.
لكن خبراء يرون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الانسحاب، بل في تقويض الالتزامات الأساسية للحلف، وعلى رأسها المادة الخامسة التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعي. وحذّر السفير الأمريكي السابق لدى الناتو إيفو دالدر من أن ترامب أثار شكوكاً جدية حول التزام واشنطن بهذا المبدأ.
وأشار دالدر إلى أن تآكل الثقة داخل الحلف قد يستمر حتى بعد انتهاء ولاية ترامب، مستنداً إلى استطلاعات رأي أظهرت تراجع دعم الحزب الجمهوري لعضوية الناتو، في تحول يعكس تغيراً في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، بدأت الدول الأوروبية بالفعل باتخاذ خطوات لتقليل اعتمادها على القدرات العسكرية الأمريكية، في محاولة لتعزيز استقلالها الدفاعي، تحسباً لأي تراجع محتمل في الالتزام الأمريكي.
وتتجه إدارة ترامب نحو خيارات بديلة لمعاقبة الحلفاء دون الانسحاب، من بينها سحب الضباط الأمريكيين من مواقع القيادة داخل الناتو، أو تعطيل عملية اتخاذ القرار عبر حجب التوافق، وهي آلية أساسية يعتمدها الحلف في إدارة شؤونه.
وكشفت تقارير إعلامية أن البيت الأبيض يدرس خطة لسحب القوات الأمريكية من دول أوروبية يُنظر إليها على أنها غير متعاونة، مع احتمال إغلاق قواعد عسكرية، في خطوة قد تعيد رسم الانتشار العسكري الأمريكي في القارة.
لكن مسؤولين سابقين حذروا من أن هذه الإجراءات قد ترتد سلباً على الولايات المتحدة نفسها. وقال جيم تاونسند إن أي عقوبة تُفرض على الحلفاء “ستؤذي واشنطن أيضاً”، نظراً لتداخل المصالح العسكرية والاستراتيجية.
وتشير التقديرات إلى أن نقل القوات أو القواعد العسكرية سيؤثر على الجاهزية الدفاعية، كما سيترتب عليه تكاليف مالية كبيرة، تشمل إنشاء بنية تحتية جديدة وتوفير خدمات لوجستية للقوات المنتشرة.
وأكد دالدر أن هذه الخطوات “لا معنى لها مالياً ولا عسكرياً”، في إشارة إلى أن إعادة التموضع العسكري قد تضعف فعالية الناتو بدلاً من تعزيزها.
ورغم هذه التحديات، يرى بعض الخبراء أن الحلف لا يزال قادراً على الصمود. وقال ويبر إنه “متفائل إلى حد معقول” بشأن مستقبل الناتو، مشيراً إلى أن العمل اليومي داخل الحلف مستمر بعيداً عن الضغوط السياسية.
وأضاف أن الولايات المتحدة لعبت تاريخياً دوراً محورياً في بناء التوافق داخل الناتو، رغم تراجع هذا الدور حالياً، خاصة في القضايا التي لا تحظى بأولوية لدى الإدارة الأمريكية.
في المقابل، تتزايد المخاوف من تصعيد إضافي قد يعمّق الأزمة داخل الحلف، خاصة بعد تلميح ترامب إلى إمكانية شن عمليات عسكرية جديدة عقب الحرب على إيران.
وأثار ترامب أيضاً جدلاً واسعاً بتكرار حديثه عن إمكانية السيطرة على غرينلاند، التابعة للدنمارك، العضو في الناتو، ما قد يفتح باب أزمة غير مسبوقة داخل التحالف إذا تطورت هذه التصريحات إلى خطوات عملية.
وحذّر دالدر من أن رد الفعل الأوروبي سيكون أكثر حدة في حال الإقدام على مثل هذه الخطوة، ما قد يدفع العلاقات داخل الناتو إلى مرحلة أكثر توتراً.















