مجلة أمريكية: خطط تهجير الفلسطينيين إلى الأردن تهدد عمان بالتقويض التام

قالت مجلة فورين افيرز الأميركية إن خطط تهجير الفلسطينيين إلى الأردن كما تروج الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية تهدد عمان بالتقويض التام.
وأبرزت المجلة أن هذه الخطط يمكن أن تضعف الأردن اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، وستكون تداعيات ذلك محسوسة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك إسرائيل.
وبحسب المجلة فقد أدت عودة ترامب إلى البيت الأبيض إلى دفع الشرق الأوسط إلى أزمة أعمق وهو الذي كان يعاني بالفعل من اضطرابات منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
وقد حاول ترامب إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وتجميد المساعدات الخارجية لجميع الدول باستثناء إسرائيل ومصر في غضون أسابيع من توليه منصبه، ثم طرح خلال اجتماع مع الملك عبد الله الثاني وولي العهد الأمير حسين في الأردن في فبراير خطته لـ”إخلاء” غزة، ووضعها تحت سيطرة الولايات المتحدة، و”إعادة توطين” سكانها بالكامل في الدول العربية المجاورة.
رفض الملك عبد الله، بدعم من مصر وقطر والسعودية والإمارات، بشكل قاطع ومباشر اقتراح ترامب، متحدياً تأكيد ترامب في يناير بأن الأردن “سينفذ ذلك” لأن الولايات المتحدة “تفعل الكثير من أجله”.
لطالما واجه الأردن حروبًا خارجية وداخلية، وموجات من اللاجئين، وجيرانًا غير مستقرين، وأزمات اقتصادية عميقة، لكن هذه الأزمة الأخيرة قد تكون وجودية.
تعد الولايات المتحدة الحليف الأقرب للأردن، لكن الحكومة الأردنية والمعارضة السياسية والمجتمع المدني في البلاد واجهوا خطة إعادة التوطين التي طرحها ترامب بندرة غير معتادة من الوحدة والغضب العارم، رافضين بشدة أي عملية نقل قسري للفلسطينيين إلى الأردن.
ما عقد الموقف، هو علاقة الأردن الوثيقة مع الولايات المتحدة، حيث تواجه عمّان الآن المهمة المستحيلة المتمثلة في التصدي لواشنطن مع استمرار اعتمادها عليها، فقد اعتادت الحكومة الأردنية على الامتثال لرغبات السياسة الأمريكية حتى عندما كانت هذه الرغبات لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الأردني.
للأردن، على عكس معظم جيرانها العرب، معاهدة سلام كاملة مع إسرائيل، لكن الغضب الجماعي للأردنيين يجعل أي محاولة من إدارة ترامب لإجبار البلاد على قبول لاجئي غزة غير واردة، وينبغي على الولايات المتحدة أن تستمع إلى مناشدات حليفها المخلص وأن تتجنب كارثة تهدد الفلسطينيين والأردن والمنطقة بأسرها.
تحدي التحالف؟
تاريخيا، تمتع رؤساء الولايات المتحدة وملوك الأردن بعلاقات ودية، بدءًا من الاجتماع الأول للملك حسين مع الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عام 1959، واستمراراً حتى عهد الملك عبد الله اليوم.
يدعم هذا التحالف الثنائي المستمر منذ ما يقرب من سبعين عامًا السمعة الدولية التي بناها الأردن بعناية كدولة معتدلة في منطقة مضطربة، فقد وصف وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر المملكة في عام 2008، بأنها جزء من “الوسطية العربية”.
في عام 2001، وقع الأردن أول اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة ودولة عربية، وهو أيضًا من بين أكبر المستفيدين من المساعدات الخارجية الأمريكية، ويحافظ منذ عام 1994 على معاهدة سلام كاملة ورسمية مع إسرائيل، بالإضافة إلى علاقاته مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، كما أن للأردن والولايات المتحدة تاريخًا طويلًا من التعاون في الشؤون العسكرية والأمنية، ففي عام 2014، عندما بدأت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، استضاف الأردن قوات أمريكية ولعب دور قاعدة عمليات متقدمة للتحالف.
استمرت هذه العلاقة المستقرة إلى حد كبير دون انقطاع، باستثناء جزئي واحد: الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، فقد قام ترامب في عام 2018 – على الرغم من معارضة الأردن – بقطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي الوكالة الرئيسية التي تقدم المساعدات للاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأردن نفسه، وعلى الرغم من استمرار المساعدات الرسمية والتعاون بين الولايات المتحدة والأردن دون انقطاع، شعر العديد من المسؤولين الأردنيين بأن إدارة ترامب لم تعد تعطي الأولوية للمملكة، بل اتجهت بدلاً من ذلك نحو تحالف فعلي مع إسرائيل والسعودية والإمارات، حيث سعت الإدارة لتحقيق هدفها الرئيسي في المنطقة: اتفاقيات إبراهيم.
بدا فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 وكأنه أعاد الأردن إلى موقعه المعتاد كحليف مهم للولايات المتحدة، ووقعت واشنطن وعمّان مذكرة تفاهم في عام 2022، ووعدت واشنطن بتقديم 1.45 مليار دولار من المساعدات الأمريكية للمملكة على مدى سبع سنوات، ولكن في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر، ومع اقتراب الشرق الأوسط من حرب إقليمية، أوقف بايدن تمويل الأونروا لمدة عام، وعاد التوتر ليخيم على العلاقة الأمريكية-الأردنية مع عودة ترامب إلى الرئاسة، مما أربك العديد من المسؤولين الأردنيين الذين توقعوا من واشنطن أن تُبدي مزيدًا من الحساسية تجاه المصالح الإقليمية لعمان وهشاشتها الداخلية.
الشعب المتحد
تعتبر الملكية الهاشمية التعاون العسكري والاقتصادي مع الولايات المتحدة أمرًا حيويًا للأمن الوطني الأردني، وبقيت سياساتها متماشية مع التزاماتها تجاه الولايات المتحدة بالرغم من ان إدانة الأردن القوية للحرب الإسرائيلية على غزة مثلت خروجًا عن خطابه التقليدي الحذر.
أدانت المملكة بشكل متكرر القصف الإسرائيلي واعتبرته مفرطًا، وسلطت الضوء على العدد الهائل للضحايا المدنيين، وطالبت باستمرار بوقف فوري لإطلاق النار، وندد الملك عبد الله بالقصف الإسرائيلي في قمة عربية طارئة بالقاهرة في أكتوبر 2023، واصفًا إياه بأنه “انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي” و”جريمة حرب”.
ومع ذلك، عندما شنت إيران هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد إسرائيل في أبريل 2024، ساعد الأردن في إسقاطها، مما أثار انتقادات داخلية واسعة، وبررت الحكومة هذا القرار باعتباره مسألة أمن وسيادة وطنية، حيث صرح الملك عبد الله بشكل قاطع بأن “الأردن لن يكون ساحة معركة لأي طرف”.
لكن علاقة الأردن بالولايات المتحدة تخضع أيضًا لانتقادات شديدة داخل المملكة، فقد اعتقدت العديد من الحركات المعارضة منذ فترة طويلة أن ارتباط الأردن الوثيق بواشنطن يقوض سيادته وأمنه، ويجعله عرضة للضغوط الخارجية، وأعادت الحرب في غزة تنشيط الحركات المعارضة، ورغم الإدانة الرسمية للحكومة لإسرائيل، استمر المتظاهرون في الضغط عليها لإحداث تغيير جذري في سياساتها، وطالبوا بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، وإنهاء اتفاقية الغاز المثيرة للجدل معها، وطرد القوات الأمريكية والأجنبية من المملكة، ووقف أي إمدادات تصل إلى إسرائيل عبر الأراضي الأردنية طالما استمرت الحرب.
أثار إسقاط الصواريخ الإيرانية في أوائل 2024 غضبًا شعبيًا خاصًا، وتصاعد الضغط على الحكومة بعد ذلك، ومع تصاعد أصوات المعارضة في البرلمان وتجدد الاحتجاجات الشعبية التي تضم قوى علمانية وإسلامية، ستواجه الدولة مقاومة حقيقية لسياستها الخارجية، لكن حتى مع اختلاف المعارضة مع الدولة في العديد من القضايا، هناك إجماع واضح ضد أي عملية تهجير جماعي للفلسطينيين من غزة – وربما من الضفة الغربية أيضًا.
لا أرض أخرى
أكدت قرارات ترامب في السياسة الخارجية خلال بداية ولايته الثانية صحة مخاوف منتقديه إلى حد كبير.
كان الأردن من بين الدول التي أوقفت الإدارة الأمريكية مساعداتها لها، كما أثار سعي ترامب لنقل أكثر من مليوني فلسطيني من غزة إلى مصر والأردن غضبًا واسعًا ليس بين الشعب الأردني فحسب، ولكن أيضًا داخل الحكومة.
قبل أيام فقط من تنصيب ترامب في يناير 2025، دخل وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ، مما أدى إلى توقف مؤقت للقصف والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، ولكن بدلاً من استغلال الهدنة لتهدئة الأوضاع في المنطقة، قامت الإدارة الجديدة على الفور بتجميد جميع المساعدات الخارجية لمدة 90 يومًا، وقطعت التمويل بالكامل عن الأونروا، وحاولت إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) تمامًا.
كانت آثار هذا التجميد كارثية على الأردن بشكل خاص؛ فلا توجد دولة في الشرق الأوسط تعتمد على الأونروا أو USAID أكثر من الأردن، ومن المحتمل أن يؤدي إنهاء USAID إلى إيقاف مئات المشاريع التنموية التي تدعم خدمات أساسية مثل الصحة العامة، والتعليم، وإمدادات المياه، والحكم المحلي، والشركات الصغيرة، والمدارس، كما أنه سيؤدي إلى شل شبكة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المرتبطة بالمساعدات الأمريكية، والتي توظف عشرات الآلاف من الأردنيين.
أما حديث ترامب العابر عن “نقل” كامل لسكان غزة فقد زاد من الصدمة الأولية.
رفض كل من مصر والأردن الفكرة فورًا، وسرعان ما انضمت إليهما دول حليفة مثل قطر والسعودية والإمارات في رفض أي تهجير قسري للفلسطينيين، وهو الأمر الذي يعتبره غالبية الأردنيين بمثابة تطهير عرقي، وعقد الحلفاء العرب اجتماعًا في القاهرة في مارس، حيث عرضت مصر قيادة خطة بديلة لإعادة إعمار غزة لا تتضمن أي تهجير جماعي للفلسطينيين، لكن إدارة ترامب رفضت الاقتراح تمامًا حتى الآن.
هذا الموقف المتقلب وضع القيادة الأردنية في حيرة، خاصة وأن الأردن دعم باستمرار حل الدولتين بما يتماشى مع الموقف الأمريكي الرسمي لعقود، ليجد أن هذا الموقف يتم تقويضه الآن بخطة ترامب، التي، في حال تنفيذها، ستحول إسرائيل وغزة والضفة الغربية إلى دولة واحدة بدون فلسطينيين.
ورغم أن ترامب قد يعتقد أنه قادر على فرض خطته على حليف يعتمد على الولايات المتحدة، إلا أن الأوضاع في الأردن تجعل مشاركة الحكومة في مثل هذا المخطط مستحيلة، فبالرغم من اقتصاد الأردن الضعيف وافتقاره للموارد الطبيعية، استضافت المملكة بالفعل موجات من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948، بالإضافة إلى العراقيين الفارين من حروب الخليج، واللاجئين السوريين الهاربين من الحرب الأهلية منذ عام 2011.
لا يملك الأردن القدرة الاقتصادية لاستيعاب ملايين اللاجئين الفلسطينيين، كما أن وصول هؤلاء اللاجئين قد يخلّ بالتوازن الديمغرافي الذي يعتبره العديد من الأردنيين حساسًا بين الأردنيين من أصل فلسطيني، الذين تعود جذورهم إلى غرب نهر الأردن، و”أبناء العشائر” (أو الأردنيين الشرقيين)، الذين تعود جذورهم إلى شرق النهر.
وينظر القوميون المتشددون، ومن بينهم برلمانيون ومسؤولون أمنيون، بعين الريبة إلى أي خطة قد تغيّر الوضع الديمغرافي القائم.
لكن حتى بالنسبة للعديد من الأردنيين الذين يرفضون هذا الخطاب القومي المتشدد، فإن تهديد التهجير الجماعي للاجئين الفلسطينيين إلى الأردن يبدو بشكل مقلق وكأنه تحقيق لما كانوا يخشونه منذ عقود: ما يُسمى بـ “الخيار الأردني” الذي تروج له الأوساط اليمينية المتطرفة في إسرائيل، والذي تسعى إسرائيل من خلاله إلى “حل” القضية الفلسطينية على حساب الأردن، عبر إجباره على أن يصبح الدولة الفلسطينية بحكم الأمر الواقع.
يُعرف هذا المخطط في الأردن، بـ “الوطن البديل”، وقد اعتبره المسؤولون الأردنيون خطًا أحمر منذ زمن طويل.
لخّص رئيس مجلس النواب الأردني أحمد الصفدي، موقف المجلس التشريعي في يناير، بالقول: “لا للتوطين، لا للوطن البديل. فلسطين للفلسطينيين، والأردن للأردنيين”.
وأوضح وزير الخارجية أيمن الصفدي موقف المملكة الثابت قائلاً: “فلسطين ملك للفلسطينيين، وحقهم في إقامة دولتهم على ترابهم الوطني غير قابل للمساومة، وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة”.
نداء استغاثة
لا توجد أي إغراءات يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة للأردن لجعل قبول مئات الآلاف من الغزيين خيارًا اقتصاديًا أو سياسيًا قابلاً للتطبيق بالنسبة للحكومة الأردنية.
قد يكون ترامب يحاول إجبار أطراف أخرى في الشرق الأوسط على تقديم تنازلات من خلال التلويح بخطة إعادة توطين جذرية، لكن مجرد التهديد بحد ذاته يزعزع استقرار الأردن، ويؤدي إلى عزله كحليف رئيسي، ويزيد من الضغوط على الدولة لتغيير سياساتها وربما الابتعاد عن الولايات المتحدة—وهو أمر لا يرغب المسؤولون الأردنيون في القيام به.
يجب أن يدفع الإجماع بين المسؤولين الحكوميين الأردنيين والمعارضين والمواطنين العاديين ضد خطة ترامب الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في مقاربتها لخطة غزة وتجميد المساعدات، فمثل هذا الإجماع نادر جدًا في السياسة الأردنية ويعكس الطبيعة الوجودية للأزمة الحالية.
اعتاد الأردنيون على التحذيرات، التي غالبًا ما تكون مبالغًا فيها وتصدر من خارج المملكة، بأن البلاد على شفا الانهيار، لكن حالة الذعر الواسعة والمعارضة الموحدة داخل الأردن تشير إلى أن الأزمة الحالية فريدة من نوعها في خطورتها.
يمكن لمقترحات إدارة ترامب أن تضعف الأردن اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، وستكون تداعيات ذلك محسوسة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك إسرائيل ولكن لم يفت الأوان بعد لكي تعيد الولايات المتحدة التزاماتها السابقة بالمساعدات، والأهم من ذلك، أن تتوقف عن الدعوات إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة.
على الولايات المتحدة أن تصغي إلى حليفها، فبالنظر إلى عقود من العلاقات الوثيقة بين واشنطن وعمان، يستحق الأردن أن ان يكون له صوت فيما يجري.















