رئيس الوزراء القطري يتوجه إلى طهران لمحاولة كسر الجمود بين إيران وواشنطن

يتوجه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى العاصمة الإيرانية طهران، في تحرك دبلوماسي جديد يستهدف خفض التوتر الإقليمي ومحاولة كسر الجمود القائم بين إيران والولايات المتحدة، وسط استمرار الأزمة المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز وتراجع حركة السفن وتدفقات النفط عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وتأتي الزيارة في وقت تسعى فيه الدوحة إلى إعادة إحياء المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، والحفاظ على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 17 يونيو/حزيران، بعد أشهر من الحرب والتصعيد العسكري الذي انعكس بصورة مباشرة على أمن الخليج وحركة الملاحة البحرية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن مباحثات رئيس الوزراء القطري في طهران ستتناول ملفات الأمن الإقليمي، واستئناف الحوار بين الأطراف المتنازعة، إلى جانب قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز وضرورة عودة الأوضاع فيه إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة في 28 فبراير/شباط.

وأوضح الأنصاري أن زيارة الشيخ محمد بن عبد الرحمن تأتي في إطار موقف قطر الداعي إلى خفض التوترات وتهيئة الظروف اللازمة للعودة إلى الحوار، مؤكداً أن الدوحة ترى في المسار الدبلوماسي الوسيلة الأكثر فاعلية لمعالجة الخلافات وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل استمرار حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما فرضت واشنطن حزمة جديدة وشاملة من العقوبات على طهران، في محاولة لتشديد الضغوط الاقتصادية عليها، فيما تتمسك إيران باستخدام ملف مضيق هرمز كورقة ضغط في مواجهة الإدارة الأمريكية.

وتلعب قطر دوراً محورياً في محاولة الحفاظ على قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين، إذ تجمعها شراكة استراتيجية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقات سياسية واقتصادية مفتوحة مع إيران.

لكن الملف الأكثر تعقيداً أمام الوساطة القطرية يتمثل في مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال حركة السفن خلاله محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، وسط هجمات متكررة على سفن تجارية نسبت إلى إيران وتصاعد المخاوف من تحول الأزمة البحرية إلى نقطة اشتعال جديدة.

وعشية وصول رئيس الوزراء القطري إلى طهران، صعّد الحرس الثوري الإيراني من موقفه، معلناً أن إعادة فتح المضيق بصورة كاملة مرهونة بقبول الولايات المتحدة للشروط التي وضعتها طهران.

وقالت القيادة العسكرية الإيرانية إن الممر المائي يقع تحت سيطرتها، وإن عبور السفن لا يمكن أن يتم من دون إذن وإدارة إيرانية، في موقف يعكس حجم التباعد بين الرؤية الإيرانية والمطالب الدولية الداعية إلى ضمان حرية الملاحة.

وزعم الحرس الثوري أن إيران وسلطنة عمان توصلتا خلال مفاوضات استمرت قرابة شهر إلى نتائج مقبولة بشأن إدارة المضيق وحصص كل دولة وإيراداتها، لكنه اتهم الولايات المتحدة بعرقلة التوصل إلى اتفاق نهائي.

غير أن مصدراً إيرانياً رفيع المستوى نفى لاحقاً اكتمال هذا الترتيب، مؤكداً أن المناقشات لا تزال مستمرة وأن الاتفاق لم يصل إلى صيغته النهائية، ما يضيف مزيداً من الغموض إلى مستقبل إدارة أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.

وتطالب قطر بإعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، فيما تربط طهران أي خطوة من هذا النوع بالحصول على تنازلات سياسية واقتصادية من واشنطن، الأمر الذي يجعل الملف البحري جزءاً أساسياً من الصراع الأوسع بين الطرفين.

وتكشف بيانات حركة الشحن حجم الأزمة، إذ ارتفع عدد سفن البضائع العابرة للمضيق إلى عشر سفن الأربعاء، مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق، وهي أرقام تبقى بعيدة عن المستويات الطبيعية لحركة الملاحة قبل اندلاع الحرب.

كما انخفضت تدفقات النفط عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها خلال ثلاثة أشهر، بعدما لم تتجاوز كمية النفط العابرة خمسة ملايين برميل يومياً، وفق بيانات تتبع السفن، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً كانت تمر عبر المضيق قبل الحرب.

ويضع هذا التراجع دول المنطقة والأسواق العالمية أمام تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق باعتباره ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج.

وتأتي الوساطة القطرية بالتوازي مع تحركات إقليمية أخرى، من بينها الجهود التي تقودها باكستان وسلطنة عمان للتقريب بين واشنطن وطهران.

وفي هذا السياق، نفت باكستان التقارير التي تحدثت عن سفر قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران بصفته مبعوثاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدة أن الزيارة جاءت في إطار دور إسلام آباد المستمر في الوساطة بين الطرفين.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن زيارة منير إلى طهران في 24 أغسطس/آب ركزت على سد الفجوة بين واشنطن وطهران، مشيرة إلى أن المسؤولين الإيرانيين أبدوا تقديرهم للدور الذي تقوم به إسلام آباد في دعم المسار الدبلوماسي.

وبينما تدخل قطر على خط الأزمة في محاولة لفتح نافذة جديدة للحوار، تبقى مهمة الدوحة محفوفة بتعقيدات كبيرة، إذ لا يتعلق الخلاف فقط بإعادة الملاحة إلى مضيق هرمز، بل بشبكة أوسع من العقوبات والضغوط الأمريكية والمطالب الإيرانية وترتيبات الأمن الإقليمي.

ومع استمرار تراجع حركة النفط والسفن، تبدو زيارة رئيس الوزراء القطري إلى طهران اختباراً جديداً لقدرة الوساطة الإقليمية على منع عودة التصعيد العسكري، وتحويل مضيق هرمز من ساحة صراع ومواجهة إلى بوابة تفاوض قد تفتح الطريق أمام تفاهم أوسع بين إيران والولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى