«فايننشال تايمز»: دول خليجية تراجع اتفاقيات مالية مع واشنطن وسط تداعيات حرب إيران

كشفت صحيفة Financial Times البريطانية أن أربع دول خليجية مثل السعودية و الكويت وقطر والإمارات بدأت مراجعة داخلية لاتفاقياتها المالية والاستثمارية الحالية والمستقبلية مع United States، في ظل التداعيات الاقتصادية المتصاعدة للحرب الدائرة مع إيران.
وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة، تدرس هذه الدول أيضاً إمكانية تفعيل بنود «القوة القاهرة» في بعض الاتفاقيات الاستثمارية، وهو إجراء قانوني يتيح تعليق الالتزامات التعاقدية في حال وقوع أحداث استثنائية خارجة عن إرادة الأطراف تجعل تنفيذ الالتزامات أمراً صعباً أو مستحيلاً.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التطور قد يحمل انعكاسات كبيرة على الاقتصاد العالمي، نظراً لأن الدول الخليجية الأربع تدير بعض أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. وكانت هذه الدول قد تعهدت، خلال جولة الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump في الخليج خلال شهر مايو الماضي، بضخ استثمارات بمئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الأمريكي، وهي التفاهمات التي تخضع حالياً لتدقيق داخلي متزايد، وإن كان ذلك بعيداً عن الأضواء.
مراجعة تحت ضغط الحرب
ونقلت الصحيفة عن مسؤول خليجي لم تسمّه قوله إن الدول الأربع الأكبر اقتصادياً في الخليج ناقشت بشكل مشترك الضغوط المتزايدة التي تواجه ميزانياتها العامة واقتصاداتها، خاصة في حال استمرار الحرب وتواصل الإنفاق المرتبط بها بالمعدلات الحالية.
وأوضح المصدر أن هذه المراجعات لا تعني بالضرورة انسحاباً فورياً من الاتفاقيات القائمة، كما أنها لا تمثل قراراً نهائياً حتى الآن، لكنه أشار إلى أن الاتجاه العام داخل هذه الدول يعكس قلقاً متزايداً من التداعيات الاقتصادية للصراع.
ويُعد تفعيل بند «القوة القاهرة» في الاتفاقيات الاستثمارية السيادية خطوة غير مسبوقة في العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وواشنطن، إذ لم يسبق أن لجأت دول المنطقة إلى مثل هذا الخيار في تعاملاتها المالية الكبرى مع الولايات المتحدة.
وترى الصحيفة أن أي خطوة من شأنها التأثير على تدفق الاستثمارات الخليجية نحو الولايات المتحدة أو الأسواق الغربية قد تزيد الضغوط السياسية على إدارة ترامب لمواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع، خصوصاً في ظل تنامي الانتقادات الداخلية والخارجية للحرب.
انتقادات خليجية نادرة
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى انتقاد علني نادر وجهه رجل الأعمال الإماراتي البارز Khalaf Ahmad Al Habtoor، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الحبتور، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب الحرب.
وفي رسالة مفتوحة، تساءل الحبتور قائلاً: “من أعطاك الحق في جر منطقتنا إلى حرب مع إيران؟”، في موقف اعتبره مراقبون من أوائل الانتقادات العلنية التي يوجهها رجل أعمال خليجي بارز لواشنطن على خلفية التصعيد العسكري.
كما تساءل عن مصير مليارات الدولارات التي ساهمت بها دول الخليج في مبادرة “مجلس السلام” التي أعلنها ترامب سابقاً، متسائلاً عما إذا كانت تلك الأموال تدعم جهود السلام أم تسهم في تمويل حرب قد تعرض المنطقة لمزيد من المخاطر.
منشآت الطاقة في دائرة الاستهداف
وفي خضم التصعيد العسكري، تعرضت منشآت تابعة لشركة QatarEnergy في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين في قطر لهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية، ما دفع الشركة إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» وإبلاغ بعض المشترين بعدم قدرتها على ضمان التسليمات التعاقدية.
وأدى الهجوم إلى اضطراب كبير في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، بعد أن اضطرت الشركة إلى وقف جزء من عمليات الإنتاج المرتبطة بالتصدير.
وتشير بيانات U.S. Energy Information Administration إلى أن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم تمر عبر Strait of Hormuz، معظمها من قطر، ما يجعل أي اضطراب في المضيق تهديداً مباشراً للإمدادات العالمية.
ووفقاً لبيانات تتبع السفن الصادرة عن شركة Kpler، فقد توقفت حتى يوم الخميس نحو 1.056 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال على متن 13 سفينة في الخليج العربي غرب مضيق هرمز، ما يعكس حجم التعطّل في حركة الشحن.
خيارات تصدير محدودة
وعلى عكس Saudi Arabia التي تمتلك خط أنابيب يسمح بنقل النفط من شرق البلاد إلى موانئ البحر الأحمر، تعتمد قطر بشكل شبه كامل على المرور عبر مضيق هرمز لتصدير الغاز الطبيعي المسال.
وتشير تقديرات شركة S&P Global إلى أن نحو 93% من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية تمر عبر المضيق، ما يعني أن إغلاقه أو تعطّل الملاحة فيه يضع صادرات الغاز القطرية أمام مأزق كبير لعدم وجود مسارات بديلة فعالة.
كما تعرضت البنية التحتية للطاقة في السعودية لأضرار محدودة بعد استهداف مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة Saudi Aramco بطائرات مسيّرة إيرانية في 2 مارس 2026. وتُعد هذه المنشأة من أكبر مرافق معالجة النفط في المملكة، إذ تبلغ طاقتها نحو 550 ألف برميل يومياً.
ووفق التقارير، سقط حطام طائرتين مسيّرتين تم اعتراضهما فوق المنشأة، ما تسبب في حريق تمت السيطرة عليه بسرعة، بينما أوقفت الشركة الإنتاج مؤقتاً لأسباب أمنية وبدأت البحث عن مسارات بديلة لتصدير منتجاتها النفطية.
مأزق جغرافي واستراتيجي
وترى صحيفة فايننشال تايمز أن دول الخليج تواجه معضلة جغرافية واستراتيجية معقدة، إذ تستضيف جميع الدول الأعضاء في Gulf Cooperation Council قواعد عسكرية أمريكية، ما يجعلها في الوقت نفسه حليفاً رئيسياً لواشنطن وأهدافاً محتملة لأي رد إيراني.
وفي موازاة ذلك، أفادت وكالة Reuters بأن سفناً تجارية عاملة في الخليج تلقت تحذيرات تتعلق بإغلاق مضيق هرمز، وفقاً لما نقلته عن وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية.
ورغم هذه التطورات، لم تصدر حتى الآن أي بيانات رسمية من الحكومات الخليجية تؤكد نيتها الانسحاب من الاتفاقيات الاستثمارية مع الولايات المتحدة. غير أن الصحيفة البريطانية تشير إلى أن مجرد بدء مراجعة بنود «القوة القاهرة» في هذه الاتفاقيات يحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة إلى واشنطن، حتى وإن لم يُعلن عنها بشكل مباشر حتى الآن.















