الإيكونوميست: الخلاف بين السعودية والإمارات يهدد توازن الخليج ويعقد صراعات المنطقة

كشفت مجلة الإيكونوميست أن الخلاف المتصاعد بين السعودية والإمارات، أكبر قوتين في الخليج، دخل مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد سنوات من التحالف الوثيق، وسط مخاوف دبلوماسية واقتصادية من تداعيات قد تمتد إلى نزاعات إقليمية عدة.

وبحسب المجلة، فإن وزارة الخارجية السعودية أصدرت في ديسمبر/كانون الأول بياناً وصفت فيه الإمارات بـ“الدولة الشقيقة” أربع مرات، رغم أن الرياض كانت قد قصفت شحنة أسلحة إماراتية في اليمن واتهمت أبوظبي بتهديد أمنها القومي، في مؤشر على الفجوة بين اللغة الدبلوماسية والواقع الميداني.

وبعد أقل من شهرين، تراجعت المجاملات تماماً، إذ تشير المجلة إلى أن مسؤولي البلدين بالكاد يتواصلون، بينما تصاعدت الحملات الإعلامية المتبادلة، ما انعكس على الحرب في اليمن وأربك حركة التجارة والأعمال عبر الحدود.

وتخشى أوساط دبلوماسية تكرار سيناريو أزمة قطر عام 2017، عندما فرضت عدة دول خليجية حصاراً على الدوحة، وإن كانت التقديرات ترجح أن الخلاف الحالي لن يصل إلى هذا الحد، لكنه قد يخلّف آثاراً بعيدة المدى.

وأوضحت المجلة أن البلدين كانا حليفين رئيسيين لعقود، ويشكلان عمودين أساسيين في مجلس التعاون الخليجي ومنظمة أوبك، كما خاضا الحرب في اليمن معاً ضد الحوثيين المدعومين من إيران. ويبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 31 مليار دولار سنوياً، فيما يُعد خط الطيران بين دبي والرياض من أكثر الخطوط الدولية ازدحاماً في العالم.

لكن المصالح بدأت تتباعد تدريجياً منذ عام 2018، لا سيما في الملف اليمني، قبل أن يتفاقم الخلاف مع اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، حيث دعمت الرياض الجيش السوداني، بينما دعمت أبوظبي قوات الدعم السريع، وهو ما اعتبرته السعودية تدخلاً خطيراً على مقربة من حدودها البحرية.

كما تفجّر توتر جديد في ديسمبر عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على مناطق من قوات مدعومة سعودياً في اليمن، قبل أن تضغط الرياض لتراجعه وتُنهي الوجود العسكري الإماراتي هناك.

وترى المجلة أن الخلاف لا يقتصر على السياسة بل يشمل أيضاً تنافساً شخصياً واستراتيجياً، إذ تتهم السعودية الإمارات بدعم حركات انفصالية وتمردات في عدة دول، بينما تقول أبوظبي إن التحالف مع قوى محلية قوية أكثر فاعلية من دعم حكومات مركزية ضعيفة.

وتبرز أيضاً اختلافات أيديولوجية، حيث تعارض الإمارات بشدة الحركات الإسلامية، بينما تُبدي السعودية قدراً من التسامح معها، فضلاً عن تباين مواقفهما تجاه إسرائيل التي أقامت أبوظبي علاقات رسمية معها عام 2020.

وبحسب المجلة، تنظر السعودية إلى نفسها بوصفها القوة الأكبر في الخليج من حيث السكان والاقتصاد والمكانة الدينية، بينما تسعى الإمارات إلى انتهاج سياسة خارجية مستقلة مستندة إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقوة عسكرية متطورة نسبياً.

وقد تحول الخلاف إلى “حرب سرديات”، حيث يتبادل إعلام البلدين الاتهامات؛ إذ يتهم معلّقون سعوديون الإمارات بخدمة المصالح الإسرائيلية، بينما يتهم نظراؤهم الإماراتيون ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتقارب مع الإسلاميين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أفادت مصادر دبلوماسية غربية للمجلة بأن شركات إماراتية تواجه عقبات بيروقراطية جديدة في السعودية، مثل تأخير الشاحنات على الحدود وصعوبة الحصول على تأشيرات عمل، فيما انسحبت شركات إماراتية من معرض دفاعي كبير في الرياض.

كما حذرت المجلة من أن التنافس بين البلدين قد يزيد من حدة صراعات أخرى، خاصة في القرن الأفريقي، حيث تقف الإمارات إلى جانب إثيوبيا، بينما تميل السعودية إلى دعم إريتريا، إضافة إلى تباين مواقفهما من التطورات في سوريا.

وأشارت إلى أن السعودية تربط إنهاء الأزمة بوقف دعم الإمارات لفصائل متمردة في المنطقة، في حين لم توضح أبوظبي شروطها بشكل علني، لكنها لا تبدو مستعدة للتراجع.

وفي تطور لافت، تحاول قطر لعب دور الوسيط بين الطرفين، حيث عقد أميرها لقاءات منفصلة مع مسؤولين سعوديين وإماراتيين، إلى جانب جهود وساطة من البحرين ومصر وتركيا، دون تحقيق اختراق حتى الآن.

كما نقلت المجلة عن دونالد ترامب قوله إنه قادر على إنهاء الأزمة “بسهولة”، رغم أن دبلوماسيين يرون أن واشنطن تتجنب التدخل المباشر في نزاع بين حليفين مقربين.

وختمت الإيكونوميست بأن الأزمة الحالية لم تنشأ فجأة بل تراكمت عبر سنوات من التنافس، ولا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على قرب انتهائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى