تعثّر مفاوضات الدوحة: انسحاب أميركي وتصعيد سياسي في ظل كارثة إنسانية مستمرة في غزة

في تطور دراماتيكي جديد يعكس عمق الأزمة السياسية والإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يوم الخميس 25 تموز/يوليو، انسحاب فريق التفاوض الأميركي من محادثات الدوحة بشأن وقف إطلاق النار، متهماً حركة حماس بعدم “التصرف بحسن نية”.
جاء ذلك بالتزامن مع إعلان إسرائيل سحب مفاوضيها للتشاور بعد تلقيها ردّ الحركة الفلسطينية على المقترح المطروح للهدنة.
وقال ويتكوف في بيان نشره على منصات التواصل الاجتماعي: “قررنا إعادة فريقنا من الدوحة لإجراء مشاورات بعد الردّ الأخير من حماس والذي يظهر بوضوح عدم رغبتها في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة”، مضيفاً: “في حين بذل الوسطاء جهودًا كبيرة، لا تبدي حماس مرونة أو تعمل بحسن نية”.
ويأتي هذا الانسحاب الأميركي في وقت يشهد تصاعداً في الضغوط الدولية لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو 21 شهراً، والتي أدت إلى مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين، وتهجير أكثر من مليونين من سكان غزة، ودفعت القطاع إلى حافة المجاعة والانهيار الكامل.
وفي مؤشر على تحوّل كبير في الموقف الأوروبي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستعترف بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة في أيلول/سبتمبر. ويُعد هذا التصريح الأقوى من باريس منذ بداية الحرب، ويمثل تحوّلًا ملحوظًا في سياسة فرنسا التقليدية التي لطالما تبنّت حلّ الدولتين دون خطوات عملية للاعتراف.
وقال ماكرون في مؤتمر صحافي: “آن الأوان لاتخاذ قرارات شجاعة لوقف النزيف، ونحن في فرنسا سنكون بين الدول التي تعترف بدولة فلسطين رسميًا في الأمم المتحدة”.
ردّ إسرائيل لم يتأخر، إذ وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الخطوة بأنها “مكافأة للإرهاب”، معتبرًا أن إنشاء دولة فلسطينية في الوقت الحالي يُمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل.
وفي بيان ناري، قال نتانياهو: “هذه الخطوة قد تؤدي إلى إيجاد وكيل إيراني جديد، وهو تمامًا ما تحوّلت إليه غزة”. وأضاف: “لنكن واضحين: الفلسطينيون لا يسعون إلى دولة إلى جانب إسرائيل، إنهم يسعون إلى دولة بدلاً من إسرائيل”.
تحركات دبلوماسية
وفي السياق نفسه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن محادثات “طارئة” ستُعقد يوم الجمعة بين باريس ولندن وبرلين لمناقشة سبل وقف إطلاق النار، وإنهاء الكارثة الإنسانية التي وصفها بأنها “لا يمكن وصفها ولا الدفاع عنها”.
وأضاف ستارمر في بيان صحافي: “يجب أن يكون وقف إطلاق النار في غزة بوابةً نحو الاعتراف بدولة فلسطينية قابلة للحياة، فهذا هو السبيل الوحيد لضمان الأمن للجميع”.
على الجانب الفلسطيني، نفت مصادر مطلعة وجود نية لإفشال المفاوضات. وأكّدت حركة حماس عبر بيان نُشر على قناتها في “تلغرام” أنها سلّمت الوسطاء ردّاً رسمياً باسمها وباسم باقي الفصائل الفلسطينية.
وقال مصدر فلسطيني مطلع لوكالة “فرانس برس” إن “الرد تضمّن تعديلات أساسية، منها ضمانات بوقف دائم لإطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، وخارطة انسحاب عسكري إسرائيلي من القطاع”.
ووفقاً للمصدر، طالبت حماس بانسحاب القوات الإسرائيلية من التجمعات السكنية، وطريق صلاح الدين الحيوي، مع إمكانية بقاء قوة محدودة بعمق لا يتجاوز 800 متر على أطراف القطاع. كما شدّدت على ضرورة الإفراج عن أسرى فلسطينيين من أصحاب المحكوميات العالية مقابل كل جندي إسرائيلي حي.
تفاصيل المبادرة
تستند المبادرة المطروحة إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 60 يومًا، يتخللها الإفراج التدريجي عن 49 رهينة لا يزالون في قطاع غزة، مقابل الإفراج عن مئات المعتقلين الفلسطينيين. وتُعد هذه الصيغة استمراراً للطرح الأميركي السابق الذي قُدم في الأشهر الماضية، دون إحراز تقدّم حاسم حتى الآن.
وكان ويتكوف قد أعلن سابقًا أنه سيتوجه إلى أوروبا هذا الأسبوع لإجراء محادثات إضافية مع الحلفاء الأوروبيين بشأن الأزمة، وسبل فتح ممر إنساني دائم للمساعدات في غزة.
ميدانيًا، لا تزال النيران مشتعلة في القطاع المحاصر. فقد أعلن الدفاع المدني الفلسطيني مقتل 40 شخصًا على الأقل في قصف إسرائيلي منذ فجر الخميس، بينهم 7 أشخاص أثناء انتظارهم للحصول على مساعدات غذائية في جنوب غزة.
ويشهد توزيع المساعدات فوضى يومية منذ شهر أيار/مايو، وسط اتهامات متبادلة بين الجيش الإسرائيلي الذي يزعم أن حماس تستغل مراكز المساعدات لأغراض عسكرية، وبين الفلسطينيين الذين يتهمون الجيش الإسرائيلي باستهداف المدنيين.















