السعودية تتقدم في مشروع تحويل البحر الأحمر إلى ممر تجاري عالمي

تواصل المملكة العربية السعودية خطواتها المتسارعة في مشروعها الطموح “نيوم”، وتحديدًا في مكونه الصناعي – المينائي “أوكساغون”، الذي يُتوقع أن يكون نقطة تحول في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
فبينما استقطب مشروع “ذا لاين” الأضواء برؤيته العمرانية الفريدة، فإن “أوكساغون” يتجه ليكون القلب الاقتصادي النابض لـ”نيوم”، بما يحمله من إمكانات تحويلية على صعيد اللوجستيات والتجارة والتصنيع.
وقد دخلت “أوكساغون” مرحلة جديدة مع انطلاق الأعمال الكبرى للتحضير للتجريف البحري، بعد اكتمال مراحل تسوية التربة الجافة.
وأكدت شركة DEME البلجيكية، المتخصصة عالميًا في أعمال التجريف والهندسة البحرية، أنها بدأت تنفيذ العمليات التمهيدية، وأن قواطع الشفط (Cutter-Suction Dredgers) ستبدأ العمل في وقت لاحق من هذا العام.
هذه الخطوة ليست مجرد نشاط إنشائي، بل هي التحول من تهيئة الأرض إلى بناء الأساسات البحرية التي ستشكل العمود الفقري لأول ميناء عائم في العالم على هذا المستوى.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين “أوكساغون” وأي مشروع توسعة مينائي تقليدي، إذ لا تقتصر الرؤية على إضافة مرافق جديدة، بل على إعادة ابتكار مفهوم الموانئ من أساسه.
أوكساغون: بين الميناء والمدينة
الطموح السعودي يتمثل في جعل “أوكساغون” أكبر هيكل عائم في العالم، بمساحة تفوق “سنترال بارك” في نيويورك بـ14 مرة. هذا الحجم الضخم لا يرمز فقط إلى التميز الهندسي، بل إلى ابتكار نموذج هجين يمزج بين الميناء والمدينة الصناعية.
وسيتم دمج المرافق الصناعية مع قدرات لوجستية متطورة، ما يجعل الميناء أكثر من مجرد نقطة عبور للبضائع، بل مركزًا متكاملاً للإنتاج والتصنيع والتوزيع. هذا النموذج، الذي يجمع بين البر والبحر، قد يمثل مستقبل المراكز الاقتصادية الساحلية، حيث تختفي الحدود التقليدية بين المدينة والميناء.
وعلى خلاف الموانئ التقليدية، سيُبنى ميناء “أوكساغون” ليكون مؤتمتًا بالكامل، معتمدًا على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقمنة الكاملة.
ومن المخطط أن يعمل عبر نظام مجتمع الميناء (Port Community System)، الذي يتيح تتبع الشحنات آنيًا، وجدولة ذكية لحركة السفن والبضائع، وتكامل مباشر مع شبكة السكك الحديدية الداخلية لـ”نيوم”.
بهذا، لن يقتصر دور “أوكساغون” على تسهيل مرور البضائع، بل سيعيد صياغة سلاسل التوريد عبر دمجها في منظومة ذكية، تستوعب حركة التجارة وتخفض التكاليف الزمنية واللوجستية.
موقع استراتيجي على البحر الأحمر
يمر عبر البحر الأحمر ما يقارب 13% من التجارة العالمية، ما يجعل الموقع الجغرافي لـ”أوكساغون” ميزة استراتيجية نادرة. وبالقرب من ممرات حيوية مثل قناة السويس ومضيق باب المندب، يمكن للمدينة المينائية أن تصبح عقدة مركزية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
هذا الموقع يمنح السعودية فرصة لبناء محور لوجستي عالمي قادر على منافسة عمالقة مثل سنغافورة وروتردام ودبي. وإذا نجحت المملكة في تحويل “أوكساغون” إلى مركز رئيسي للصناعات النظيفة والخدمات اللوجستية، فإن البحر الأحمر قد يتحول إلى بديل منافس للممرات التجارية التقليدية التي تحتكرها موانئ أخرى.
وبينما يمثل “ذا لاين” الوجه الحضري المستقبلي لمشروع “نيوم”، يهدف “أوكساغون” إلى لعب دور المحرك الاقتصادي. فهو مصمم لجذب:
شركات الصناعات النظيفة، بما يتماشى مع خطط السعودية للتحول إلى الطاقة المستدامة.
شركات التقنية المتقدمة التي تحتاج إلى مراكز إنتاج متصلة بالأسواق العالمية.
المصنعون وشركات الخدمات اللوجستية الباحثة عن مواقع استراتيجية منخفضة التكاليف وعالية الكفاءة.
من خلال هذا الدور، يسعى المشروع إلى دعم رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط، عبر بناء اقتصاد قائم على الصناعة والخدمات اللوجستية المتطورة.
وتسعى السعودية عبر “أوكساغون” إلى إيصال رسالة واضحة: المملكة لا تقدم فقط رؤى طموحة أو صورًا دعائية، بل تبني بنية تحتية ملموسة قادرة على المنافسة عالميًا. نجاح المشروع سيعني:
تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بقدرة السعودية على تنفيذ مشاريع عملاقة.
إعادة رسم موقع المملكة كقوة اقتصادية ولوجستية في قلب طرق التجارة الدولية.
تقديم نموذج جديد للتنمية يمزج بين الابتكار الهندسي والتوجهات البيئية المستدامة.
ورغم الطموحات، يواجه المشروع عدة تحديات:
التكلفة الضخمة (500 مليار دولار لنيوم ككل) التي تفرض ضغوطًا على التمويل.
المخاطر البيئية المرتبطة بأعمال التجريف والبناء العائم في بيئة بحرية حساسة.
القدرة على استقطاب الشركات العالمية في ظل منافسة قوية من مراكز تجارية راسخة.
مع ذلك، فإن الدعم الحكومي القوي والتوجه الاستراتيجي الواضح يمنح المشروع فرصًا كبيرة لتجاوز هذه العقبات.















