تحليل: لماذا تسعى السعودية لاتفاق نووي مع أمريكا؟ دوافع استراتيجية ومخاوف إقليمية

تناقش السعودية والولايات المتحدة اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، في خطوة تعبّر عن تطلعات الرياض لتطوير برنامج نووي سلمي يخدم رؤيتها الاقتصادية المستقبلية، ويثير في ذات الوقت تساؤلات حول الأبعاد الجيوسياسية والأمنية لهذا المشروع.
دوافع السعودية
رغم كونها أكبر مصدر للنفط في العالم، تسعى المملكة إلى تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء، لأسباب بيئية واقتصادية. ضمن رؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تهدف السعودية إلى خفض انبعاثات الكربون، وتحقيق أقصى عائد ممكن من صادرات النفط، من خلال استبدال جزء من استهلاكها المحلي للطاقة بمصادر بديلة مثل الطاقة النووية.
وفي ظل استهلاك ضخم للطاقة في مجالات مثل تحلية المياه وتكييف الهواء، يمكن للطاقة الذرية أن تقدم بديلاً مناسباً. فقد بلغت كمية النفط الخام المستخدم لتوليد الكهرباء في يونيو الماضي 1.4 مليون برميل يومياً، حسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
إلا أن أبعاد هذا البرنامج لا تقتصر على الاقتصاد والبيئة، إذ عبّرت الرياض بشكل صريح عن نواياها لتخصيب اليورانيوم، ملوّحة في مناسبات سابقة بأنها قد تطور سلاحاً نووياً إذا فعلت إيران ذلك، مما يعكس بعداً ردعياً في سياستها النووية.
المصالح الأمريكية
تدرك الولايات المتحدة أن توقيع اتفاق نووي مدني مع السعودية سيمنحها مكاسب مهمة على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي. فمن ناحية، تتيح اتفاقية من هذا النوع لواشنطن ممارسة الرقابة على البرنامج النووي السعودي، والحد من احتمالات انحرافه نحو مسار عسكري.
ومن ناحية أخرى، تفتح الاتفاقية الباب أمام الشركات الأميركية للمشاركة في عقود بناء المحطات النووية، مما يعزز من موقع الصناعة النووية الأميركية في الشرق الأوسط.
تحتكم الاتفاقات النووية الأميركية إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية لعام 1954، التي تضع شروطاً صارمة للحد من الانتشار النووي، وتستوجب موافقة الكونغرس على أي اتفاق دولي.
وفي السياق السياسي، كان التعاون النووي أحد محاور خطة الرئيس جو بايدن لدفع اتفاق تطبيع بين السعودية وإسرائيل، إلا أن الرياض اشترطت قيام دولة فلسطينية قبل أي تطبيع، مما يجعل المسارين منفصلين حاليًا، رغم استمرار التنسيق الدبلوماسي.
خيارات السعودية البديلة
في حال فشل المحادثات مع واشنطن، لا تفتقر السعودية إلى البدائل. فقد أبدت الصين اهتماماً ببناء مفاعل نووي في المملكة، وتقدمت بعرض رسمي في 2023. كما وقّعت روسيا اتفاقات مبدئية مع الرياض، فيما تعد كوريا الجنوبية وفرنسا من الشركاء المحتملين بفضل تجاربهم في المنطقة.
يرجح أن تحدد عوامل مثل التكاليف والتكنولوجيا والشروط الجيوسياسية — بما فيها التعامل مع الوقود النووي — هوية الشريك النهائي في المشروع.
قضايا التخصيب
من أكثر النقاط حساسية هي مسألة تخصيب اليورانيوم، خاصة وأن السعودية تمتلك احتياطيات من خام اليورانيوم على أراضيها. تخشى واشنطن من أن أي منشأة محلية للتخصيب قد تُستخدم مستقبلاً لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب، يُستخدم في تصنيع أسلحة نووية.
يجري الحديث عن احتمال إنشاء منشأة في السعودية بإشراف أميركي، أو مساهمة سعودية في منشأة تقع داخل الأراضي الأميركية. وهناك أيضاً نموذج “الصندوق الأسود”، الذي يعني تقييد وصول السعوديين إلى التكنولوجيا الحساسة، وهو نموذج قد لا يرضي طموحات الرياض.
الاعتراضات الإقليمية
تواجه الطموحات السعودية اعتراضاً واضحاً من إسرائيل، الحليف الإقليمي الأقرب لواشنطن، التي تعارض بشدة تطوير برنامج نووي سعودي حتى ولو كان مدنياً.
تخشى تل أبيب من أن يؤدي هذا إلى تسابق تسلح نووي إقليمي، أو إلى خرق التوازن الاستراتيجي القائم.
يمثل السعي السعودي لاتفاقية الطاقة النووية مدنية مع الولايات المتحدة مزيجاً من الأهداف الاقتصادية، الطموحات الاستراتيجية، والرهانات الجيوسياسية.
وبينما تحاول واشنطن تحقيق توازن دقيق بين إغراءات التجارة ومخاوف الانتشار النووي، يبقى البرنامج النووي السعودي نقطة اختبار حاسمة لمستقبل التحالفات والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط.















