ميدل إيست: تراجع الأزهر عن موقفه بشأن غزة يكشف عن أزمة أخلاقية أعمق في العالم الإسلامي

قال موقع ميدل إيست آي إن تراجع شيخ الأزهر عن أقوى بيان إدانة أصدره حتى الآن ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، يكشف عن أزمة أخلاقية أعمق تضرب صميم المؤسسة الدينية في مصر، ويفضح هشاشة استقلالها أمام قبضة الدولة.
فبعد أكثر من عشرين شهرًا من القتل الجماعي والتجويع الممنهج، خرج الإمام الأكبر أحمد الطيب، رئيس الأزهر الشريف، ببيان قوي دعا فيه العالم إلى كسر صمته، وهاجم الاحتلال الإسرائيلي على “بربريته” و”وحشيته”.
بل وصل الأمر إلى حد انتقادٍ ضمني لتواطؤ الدول – بما فيها مصر – في الحصار، من خلال دعوته الصريحة لفتح معبر رفح والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
لكن هذا الموقف الأخلاقي لم يدم طويلًا.
بيان الأزهر… ثم صمته
بحسب ميدل إيست آي، حُذف بيان الأزهر بعد وقت قصير من نشره، في خطوة صدمت كثيرين اعتبروها لحظة نادرة من الجرأة الأخلاقية في زمن التواطؤ الرسمي.
بعد ساعات، صدر بيان بديل بلهجة تبريرية، زعم فيه المكتب الإعلامي للأزهر أن التراجع كان “بدافع المسؤولية”، وأن البيان الأول ربما يتعارض مع “الجهود المصرية” لوقف إطلاق النار.
لكن الصياغة الدفاعية لم تنجح في تبديد الانطباع الصادم: أن شيخ الأزهر، رغم مكانته الرمزية، رضخ لضغوط الدولة، وأسدل الستار على لحظة كان من الممكن أن تسجَّل كوقفة شجاعة في وجه واحدة من أكثر الجرائم وضوحًا في التاريخ المعاصر.
يشير التقرير إلى أن الأزهر، باعتباره المؤسسة الدينية الأبرز في مصر والعالم الإسلامي، يقف داخل دولة تُمارس دورًا محوريًا في تشديد الحصار على غزة. فمنذ انقلاب عبد الفتاح السيسي عام 2013، الذي جرى بدعم مباشر من واشنطن وتل أبيب، أصبحت القاهرة جزءًا لا يتجزأ من منظومة الخنق المفروض على القطاع.
واليوم، تُحتجز المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة على بُعد أميال من غزة، في المخازن المصرية، بينما يتضور الأطفال جوعًا على الجانب الآخر من الحدود. ورغم ذلك، لا تجرؤ المؤسسات الدينية على تسمية الأشياء بأسمائها أو مساءلة المتسببين.
الطيب تحت المجهر
يُقر التقرير بأن أحمد الطيب لم يكن دائمًا بوقًا للسلطة، بل عبّر سابقًا عن مواقف استقلالية نسبية تجاه بعض الملفات. لكن حين جاء الاختبار الحقيقي – حين استدعت اللحظة موقفًا أخلاقيًا حاسمًا – لم ينجح في الثبات.
ورغم افتقار شيخ الأزهر إلى السلطة التنفيذية، إلا أنه يملك سلطة رمزية استثنائية، تجعله قادرًا على مخاطبة وجدان الأمة الإسلامية، لا المصريين فحسب. ولهذا السبب، فإن تراجعه المؤلم يُعد خسارة رمزية كبيرة في وقت تتراكم فيه الخسارات.
يعقد التقرير مقارنة واضحة بين موقف الطيب وموقف الشيخ الموريتاني محمد الحسن الددو، الذي نشر في اليوم نفسه مقطع فيديو يدين فيه الإبادة بعبارات قاطعة، ويحمّل حكام العالم الإسلامي المسؤولية الكاملة عن كل قطرة دم تُسفك في غزة.
الددو، الذي لا تحكمه سلطة سياسية، أصرّ على أن الجيوش والأنظمة الإسلامية قادرة – متى شاءت – على كسر المعادلة، تمامًا كما فعل الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عام 2012 عندما أجبر إسرائيل على وقف عدوانها بضغط دبلوماسي مباشر.
يتساءل ميدل إيست آي: ما الذي تبقى من مصداقية قادة المسلمين الذين يُكثرون من الدعاء، ويُبدعون في الصياغات، لكنهم يعجزون عن اتخاذ موقف عملي واحد؟ لماذا لم تُفتح المعابر؟ لماذا لم يُجمَّد التعاون مع إسرائيل؟ أين هي القوة العسكرية والمالية الهائلة للدول الإسلامية، إن لم تُستخدم في لحظة كهذه؟
نقلًا عن أحد المستخدمين الغاضبين على مواقع التواصل، يقول التقرير: “ثمان وأربعون دولة ذات أغلبية مسلمة، واثنتان وعشرون دولة عربية، وجميعهم يهابون الناتو أكثر من الله، ويتعاملون مع دماء غزة كأنها مجرّد حادث عرضي”.
يخلص تقرير ميدل إيست آي إلى أن تراجع الأزهر عن بيانه التاريخي لا يمكن فهمه إلا كدليل إضافي على أن المشكلة أعمق من مجرد رقابة حكومية؛ إنها أزمة في الضمير الإسلامي ذاته، الذي بات عاجزًا عن مواجهة القتل حتى بالكلمة.
فحين تفشل أكبر مؤسسة دينية في قول الحقيقة، وتكتفي بالمناورة، فإن هذا يعني أن الكارثة ليست فقط في من يقتلون الأبرياء، بل في من يرون ويصمتون.
وفي زمن تُقصف فيه طوابير المساعدات، ويُدفن الأطفال تحت الأنقاض، لا يُطلب من شيخ الأزهر أكثر من أن يكون صوتًا نقيًا في وجه التواطؤ. لكنه، كما يبدو، قرر أن يكون صدىً للنظام، لا صرخة للضمير.















