حقبة جديدة في السياسة الإقتصادية الألمانية تجاه دول الخليج
تمكنت ألمانيا من الاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع إيران، والتي تطورت في الأصل عندما كانت قوة عظمى خلال القرن الـ19.
ومع إسرائيل، والتي تطورت كجزء من سياسة المصالحة التي تتبعها مع اليهود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكانت العلاقات الثنائية مع إيران مفيدة في الحفاظ على حوار مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا و بريطانيا) مع إيران من أجل التفاوض على الاتفاق النووي ، وفي إطار عمل المجموعة الرباعية (بإضافة إيطاليا) مع إيران فيما يتعلق باليمن.
وفيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين ألمانيا ودول الخليج، فقد تمحورت لفترة حول مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، والتي انطلقت عام 1990 .
وتعززت بتطورات مثل السوق الأوروبية الموحدة عام 1992 وإطلاق السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي عام 1993.
ومع ذلك، لم تتطور المفاوضات بالفعل إلا بعد إنشاء الاتحاد الجمركي لمجلس التعاون الخليجي في عام 2003.
وانتهت المحادثات في عام 2008 دون نتيجة بسبب الخلاف حول رسوم التصدير.
وتم إطلاق برنامج العمل المشترك، الذي كان من المتوقع أن يوسع التعاون في 14 مجالا استراتيجيا رئيسيا، بما في ذلك القضايا الاقتصادية وقضايا الطاقة والسلامة النووية، من 2010 إلى 2013، ولكن لم يتم استئنافه.
وفي عام 2017، تم إطلاق حوار أكثر رسمية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي حول التجارة والاستثمار.
ويعد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لمنطقة الخليج بعد الصين، حيث بلغت تجارة السلع 97.1 مليار يورو (نحو 108 مليار دولار) في عام 2020.
ويعد أكبر شريك تجاري لألمانيا في منطقة الخليج هو الإمارات، تليها السعودية.
وتتبنى هاتان الدولتان الخليجيتان استراتيجيات تنويع اقتصادي يمكن أن توفر فرصا للتعاون في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والطاقة المتجددة.
وبالرغم من نقص الاستثمار الألماني في المنطقة، إلا أن الحكومة الألمانية تعمل على تكثيف التعاون مع السعودية والإمارات وسلطنة عُمان في مشاريع الهيدروجين الأخضر منذ عام 2021.
ومع تصنيف قطر مؤخرا كحليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج “الناتو”، فقد يشجع ذلك مزيدا من التعاون بين قطر وألمانيا.
وبلغ حجم التجارة الإماراتية الألمانية 7.5 مليار يورو (نحو 8.3 مليارات دولار) في عام 2020 وهو ما كان أعلى من التجارة الإماراتية الفرنسية بدون مبيعات الأسلحة في نفس الوقت تقريبا.
لكن فرنسا، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبشكل متزايد روسيا والصين، تحافظ على بعد أكثر استراتيجية من خلال عمليات بيع الأسلحة، ما يزيد من حجم تجارتها الإجمالية مع الإمارات.
وبلغت قيمة مبيعات الأسلحة الفرنسية إلى الإمارات 8.3 مليارات يورو في عام 2019، وباعت فرنسا 80 طائرة مقاتلة من طراز “رافال” إلى الإمارات في عام 2021 في صفقة قياسية بلغت 14 مليار يورو.
وتستثمر فرنسا أيضا في المزيد من التعاون الثقافي، بما في ذلك أفرع لمؤسساتها العريقة في الإمارات، مثل جامعة السوربون ومتحف اللوفر بأبوظبي، بالإضافة إلى قاعدة عسكرية دائمة في أبوظبي أيضا.
ويشكل ذلك جزءا من استراتيجية التحوط التي تتبعها الإمارات، وهي استراتيجية للأمن القومي تتميز بعلاقات موجهة نحو تنويع القوى الصديقة.
وعلى الصعيد السياسي، بعد أن أدلى وزير الخارجية الألماني الأسبق “زيجمار جابرييل” بتعليق حول المغامرة السعودية في الشرق الأوسط بعد اعتقال رئيس الوزراء اللبناني “سعد الحريري” في الرياض والحرب في اليمن، سحبت المملكة سفيرها لدى ألمانيا ورفضت اعتماد سفير ألمانيا لديها.
وتراجعت الصادرات الألمانية إلى المملكة لاحقا بنسبة 5% في النصف الأول من عام 2018 قبل احتواء تداعيات التعليق في وقت لاحق من ذلك العام.
وإذا اختارت ألمانيا بناء علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي من خلال إدخال تعديلات على سياستها الخاصة بتصدير الأسلحة، فلا شك أنها ستكون موضع ترحيب من هذه الدول المهتمة بتنويع ترتيباتها الدفاعية.
ومع ذلك، قد تستمر ألمانيا في مواجهة قضايا سياسية غير متوقعة تؤثر على علاقاتها مع دولة أو أكثر من دول مجلس التعاون الخليجي.
وتقف العلاقات الوثيقة بين الإمارات وروسيا في تناقض صارخ مع العلاقات بين دول “الناتو” وروسيا.
ومن الصعب أيضا رؤية تعاون عسكري بين ألمانيا والسعودية في حال استمرار التعاون العسكري روسيا والمملكة.
لكن من الممكن أن تتكشف فرص أخرى للتعاون في الوقت الذي تحاول فيه دول مجلس التعاون الخليجي تحقيق التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
على مدى عقود، كانت الولايات المتحدة حاسمة في تشكيل علاقات ألمانيا مع دول الخليج.
وطلب وزير الخارجية الأمريكي السابق “جيمس بيكر” إجراء محادثات مع ألمانيا لدعم السعودية خلال حرب الخليج، وهو الأمر الذي وافق عليه المستشار “هيلموت كول“.
ومن المؤكد أن الولايات المتحدة سترحب بهذا التحول الكبير لدى حليف رئيسي في مكافحة التهديدات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو“.
وحاليا تهيمن الأزمة الأوكرانية على عملية صنع القرار في برلين.
وبينما ستستمر سياسات ألمانيا في الخليج في التشكل على أساس سياسة الطاقة وسياسة الولايات المتحدة وغيرها من الاعتبارات الجيوستراتيجية، فإن هذه العوامل جنبا إلى جنب مع المزيد من الاستثمار قد تمنح ألمانيا في النهاية ميزة تنافسية أكبر (من الدول المنافسة في الاتحاد الأوروبي) في العلاقات مع دول خليجية معينة.















