شركة تنشط في السعودية تطلق تطبيقاً لمحادثات الذكاء الاصطناعي بقيم “إسلامية”

أعلنت شركة “هيومن” (Human)، إحدى أبرز شركات التكنولوجيا السعودية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، عن إطلاق تطبيق محادثة جديد موجه خصيصًا للجمهور العربي والإسلامي، تحت اسم Humain Chat، في خطوة تعكس طموح المملكة للتموضع في صدارة مشهد الذكاء الاصطناعي بالمنطقة.

وذكرت وكالة بلومبيرغ أن التطبيق يعتمد على نموذج لغوي كبير أُطلق عليه اسم “علّام”، صُمم ليجمع بين القدرات التقنية المتقدمة والالتزام بالقيم الإسلامية والتراث الثقافي المحلي، في خطوة تُبرز الرغبة السعودية في تقديم بديل أصيل ثقافيًا لمستخدمي الذكاء الاصطناعي في المنطقة.

وبحسب الشركة، فإن Humain Chat يدعم المحادثات باللغتين العربية والإنجليزية، مع قدرة على فهم اللهجات العربية المتنوعة مثل المصرية واللبنانية والخليجية. وتعتبر هذه الميزة إحدى نقاط القوة التي تميز التطبيق عن العديد من النماذج العالمية، التي تفتقر غالبًا إلى الدقة في معالجة اللهجات الإقليمية.

ووصف الرئيس التنفيذي للشركة طارق أمين الإطلاق بأنه “محطة تاريخية” في مسار بناء ذكاء اصطناعي “متقدم تقنيًا وأصيل ثقافيًا”، مشيرًا إلى أن النموذج تم تطويره بالكامل داخل السعودية بمشاركة 120 مختصًا نصفهم من النساء. وأضاف أن التطبيق يعكس توجه المملكة نحو تعزيز مشاركة الكفاءات المحلية في صناعة المستقبل.

جذور محلية ورؤية استراتيجية

النموذج اللغوي “علّام” الذي يستند إليه التطبيق ليس مشروعًا عابرًا، بل له خلفية حكومية واضحة. فقد استحوذت شركة هيومن على حقوقه من الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، مع انتقال نحو 95 موظفًا كانوا يعملون في الهيئة إلى الشركة الجديدة.

ويشير هذا إلى أن المشروع يمثل امتدادًا مباشرًا لاستراتيجية السعودية الأوسع في الذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية 2030، حيث تسعى المملكة لبناء قطاع تقني قادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا، ودعم اللغة العربية باعتبارها إحدى اللغات الأقل تمثيلًا في نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية.

وبحسب الوكالة فإن إطلاق Humain Chat يضع السعودية في مواجهة غير مباشرة مع مشروع “فالكون” الذي تطوره أبوظبي عبر معهد الابتكار التكنولوجي. وبينما تركز الإمارات على تقديم نموذج متعدد الاستخدامات على غرار ChatGPT، يبدو أن السعودية تسعى لتفرد هوية تطبيقها من خلال المزاوجة بين التطوير التقني والقيم الثقافية والدينية.

ويعكس هذا التباين التنافس المتنامي بين الرياض وأبوظبي في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة مع ما يرافقه من استثمارات ضخمة في البنية التحتية السحابية ومراكز البيانات.

استثمارات ضخمة ومراكز بيانات عملاقة

شركة هيومن مملوكة بالكامل لـ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذراع الاستثماري الرئيسي للمملكة. وقد تم الكشف عن الشركة رسميًا قبل زيارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى السعودية في مايو الماضي، حيث نجحت في الحصول على شرائح متقدمة من شركتي Nvidia و AMD لتشغيل مركز بيانات ضخم.

وتخطط الشركة لبناء ما يصل إلى 1.9 غيغاواط من قدرات مراكز البيانات بحلول عام 2030، وهو ما يمثل أحد أكبر الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية في المنطقة.

ولا يقتصر طموح الشركة على مجال المحادثات اللغوية فحسب. ففي يونيو الماضي، أعلنت هيومن عن إنشاء وحدة متخصصة في الإعلانات والألعاب الرقمية، مؤكدة نيتها الاستثمار في تطوير محتوى تفاعلي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما كشفت الشركة عن خطة لإطلاق صندوق رأس مال مخاطر بقيمة 10 مليارات دولار، مخصص لدعم الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ما يعزز مكانة الرياض كمركز إقليمي لجذب الاستثمارات التقنية.

التحكم في تدفق المعلومات

أحد أبرز الجوانب المثيرة للجدل في المشروع هو أن تدريب النموذج “علّام” تم وفق ضوابط وقيم تعكس الثقافة الإسلامية والعربية، ما يعني أن التطبيق سيخضع لمعايير مختلفة عن تلك التي تتبعها النماذج العالمية في ما يخص حرية تداول المعلومات.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح السعودية أداة للتحكم في نوعية المعلومات والمحتوى المتداول عبر التطبيق، وهو ما قد يثير نقاشًا حول حدود حرية التعبير مقابل احترام الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.

وبالنسبة لصانعي القرار في الرياض، فإن إطلاق Humain Chat يمثل أكثر من مجرد تطبيق محادثة؛ إنه رمز لرؤية أوسع تسعى من خلالها المملكة إلى المزج بين الريادة التقنية والهوية الإسلامية، بما يعزز موقعها كقوة صاعدة في المشهد التكنولوجي العالمي.

لكن في المقابل، يرى محللون أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة النموذج على المنافسة في سوق يهيمن عليه عمالقة مثل ChatGPT وClaude وGemini. فالرهان السعودي لا يقوم على منافسة مباشرة، بل على بناء قيمة إقليمية مضافة تركز على دعم اللغة العربية وربط التقنية بالثقافة المحلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى