عام على تفكيك المساعدات الأمريكية: وفيات يمكن تجنّبها ونظام إنساني ينهار

بعد مرور أكثر من عام على بدء إدارة الرئيس دونالد ترامب خفض المساعدات الخارجية، تكشف البيانات والتقارير الدولية عن كلفة بشرية واسعة النطاق، ونتائج وُصفت بأنها مدمّرة ويمكن تفاديها.
وما بدأ بتجميد مؤقت لتمويل المساعدات تحوّل عملياً إلى تفكيك شبه كامل لأكبر ذراع إنساني في العالم، مع انعكاسات مباشرة على الصحة والغذاء والأمن الإنساني في عشرات الدول.
في مطلع القرار، جُمّدت المساعدات الخارجية لمدة 90 يوماً تحت شعار “أمريكا أولاً”. لكن بحلول يوليو من العام الماضي أُغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالكامل، ونُقلت صلاحياتها إلى وزارة الخارجية. المبنى الذي كان يرمز لعقود من العمل الإنساني بات اليوم يشغله مكتب التحقيقات الفيدرالي، في صورة تختزل التحول من الإغاثة إلى الأمن.
ومع بدء التقليص، أثيرت تحذيرات مبكرة بشأن العواقب على الفئات الأضعف، لا سيما الأطفال. وزير الخارجية ماركو روبيو نفى حينها أي كلفة بشرية قائلاً إن “أي طفل لن يموت”.
وبعد عام، تُظهر المؤشرات عكس ذلك. أتول غاواندي، الذي شغل منصباً قيادياً في USAID خلال إدارة بايدن، حذّر مبكراً من أن التخفيضات تعني “مئات آلاف الوفيات في السنة الأولى”، مشيراً إلى أن تقليص برامج التطعيم وحدها قد يفضي إلى أكثر من مليون وفاة.
وتدعّم هذه التقديرات أرقام مركز التنمية العالمية، الذي خلص إلى أن خفض تمويل أكبر مانح للمساعدات الإنسانية قد يساهم في وفاة ما يصل إلى 700 ألف شخص سنوياً.
كما توقّعت دراسة في ذا لانسيت للصحة العالمية أن تؤدي التخفيضات الأمريكية والبريطانية إلى 22.6 مليون وفاة إضافية يمكن الوقاية منها بحلول 2030، بينها 5.4 ملايين طفل دون الخامسة.
وقد نفذت التحولات بوتيرة سريعة رغم اعتراضات واسعة، بينها تحذير الرئيس السابق باراك أوباما الذي وصف السياسة بأنها “خطأ فادح”.
وبحلول مارس 2025، أُلغيت 86% من برامج المساعدات الخارجية وسُرّحت نسبة مماثلة من العاملين، ما عطّل شبكات الرصد الصحي والاستجابة السريعة للأوبئة.
وتشير مراجعات مستقلة إلى أن نمط التخفيضات لم يكن متساوياً. دول اعتُبرت متوافقة مع أولويات الإدارة نجت نسبياً، بينما قُطع الدعم عن بلدان تعاني أزمات حادة.
كينيا، مثلاً، وقّعت اتفاقاً بقيمة 1.7 مليار دولار لدعم نظامها الصحي عقب مشاركتها في مهمة حفظ سلام في هايتي.
الأردن، حليف وثيق، أُعيد فيه إحياء مشروع لبنية المياه. في المقابل، بقيت اليمن وأفغانستان خارج مسارات التمويل رغم الاحتياجات القصوى.
وفي أفغانستان، ارتفع سوء تغذية الأطفال إلى أعلى مستوى منذ 25 عاماً، وأُغلق 450 مركزاً صحياً. في سوريا، حيث يعتمد 16 مليون شخص على المساعدات، خُفّض 237 مليون دولار، ومع أن العقوبات رُفعت جزئياً، أفادت منظمات الإغاثة بعدم تلقي تمويل فعلي حتى الآن.
وفي اليمن، أنهت التخفيضات مساعدات غذائية لـ2.4 مليون شخص وأوقفت رعاية تغذوية لـ100 ألف طفل، فيما فقدت 1.5 مليون امرأة خدمات أساسية للصحة الإنجابية والحماية من العنف.
أما السودان، أكبر أزمة إنسانية راهنة، فاستُبعد عملياً من المساعدات الأمريكية، ما أدى إلى إغلاق أكثر من 1700 مطبخ جماعي وتأثر قرابة ثلاثة ملايين شخص. فلسطين المحتلة لم تظهر في خطط التمويل، مع إحالة الملف إلى ترتيبات سياسية لاحقة.
ويؤكد منتقدو السياسة أن الوفورات المالية محدودة—إذ لا تتجاوز ميزانية USAID أقل من 1% من الإنفاق الفيدرالي—بينما ارتفعت المخاطر العابرة للحدود. تفكيك فرق منع انتشار الأمراض المعدية ترك العالم أقل استعداداً. موظف سابق قاد الاستجابة لإيبولا حذّر من أن التفشي التالي “قادم”، وأن الجاهزية تراجعت.
كذلك تضررت خطة خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز التي أُطلقت عام 2003 وقادت مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية. عند تجميدها المؤقت، كان أكثر من 20 مليون شخص يتلقون العلاج، بينهم نصف مليون طفل.
وتأتي هذه التطورات ضمن اتجاه عالمي أوسع؛ إذ تشير تقديرات إلى تراجع المساعدات الدولية بنحو الثلث منذ 2023 مع تقليص فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة التزاماتها.
وحذر تقرير تشاتام هاوس من أن التخفيضات تقوّض منع النزاعات وبناء السلام والاستجابة للطوارئ، بما يحمل تداعيات مباشرة على الأمن الدولي.















