دراسة أمريكية: حرب إيران أضعفت فرص التطبيع السعودي مع إسرائيل

أكدت دراسة صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن أن الحرب الأخيرة مع إيران أحدثت تحولًا عميقًا في الحسابات الإستراتيجية للمملكة العربية السعودية، إذ أضعفت فرص المضي في مسار التطبيع مع إسرائيل، وأثارت تساؤلات غير مسبوقة بشأن موثوقية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، بعد أن وجدت الرياض نفسها تتحمل تداعيات حرب لم تكن طرفًا في قرار اندلاعها.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها السفير الأمريكي السابق لدى السعودية مايكل راتني والباحث عبدالله الحناكي، أن المملكة لم تكن تسعى إلى الحرب مع إيران، ولم تُستشر بصورة فعلية في قرارها، رغم أن تداعياتها الأمنية والاقتصادية كانت أشد تأثيرًا على السعودية ودول الخليج مقارنة بالولايات المتحدة.
ورأت الدراسة أن الحرب شكلت اختبارًا حقيقيًا للتحالف الأمني الأمريكي–السعودي، بعدما خاضت واشنطن مواجهة عسكرية ذات انعكاسات مباشرة على أمن المملكة دون تقديم ضمانات واضحة بشأن حمايتها من أي رد إيراني محتمل.
وبيّنت أن السعودية كانت ترى في معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة الضمانة الأساسية لمواجهة أي تهديد إيراني، إلى درجة أنها كانت مستعدة للنظر في خطوة شديدة الحساسية داخليًا، تتمثل في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، باعتبارها المقابل السياسي للحصول على تلك الضمانات الأمنية.
لكن الحرب الأخيرة، بحسب الدراسة، غيّرت هذه المعادلة بالكامل، إذ أعادت تقييم القيادة السعودية لجدوى الاعتماد على الولايات المتحدة، وكذلك للمكاسب المتوقعة من إقامة علاقات مع إسرائيل.
وأشارت الدراسة إلى أن القلق من اندلاع الحرب كان قد دفع الرياض إلى البحث عن شراكة دفاعية أكثر وضوحًا مع واشنطن، إلا أن التجربة الأخيرة أظهرت أن التحالف مع الولايات المتحدة قد يجعل المملكة أكثر عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية، بدلًا من أن يقلل من المخاطر التي تواجهها.
ورغم تعثر مشروع معاهدة الدفاع المشترك بعد اندلاع حرب غزة، أوضحت الدراسة أن السعودية حققت خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر 2025 مكاسب دفاعية مهمة، شملت حصولها على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”، وتوقيع اتفاقية دفاع إستراتيجية جديدة، إضافة إلى تعهد أمريكي ببيعها مقاتلات “إف-35″، دون أن تضطر إلى دفع الثمن السياسي المتمثل في التطبيع مع إسرائيل.
لكن هذه الترتيبات، بحسب الدراسة، لم تمنع الولايات المتحدة من الانخراط في حرب مع إيران دون تنسيق حقيقي مع الرياض، أو تقديم رؤية واضحة لكيفية حماية المملكة من التداعيات العسكرية المحتملة.
وأضافت أن تقارير إعلامية تحدثت خلال الحرب عن صعوبات واجهتها واشنطن في تلبية احتياجات شركائها الخليجيين من المعدات الدفاعية، نتيجة استنزاف مخزونها العسكري، الأمر الذي دفع السعودية ودولًا خليجية أخرى إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر توافرًا، من بينها أنظمة أوكرانية لمكافحة الطائرات المسيّرة.
ورأت الدراسة أن هذا التوجه جاء استجابة مباشرة لمتطلبات عملياتية فرضتها ظروف الحرب على إيران.
وأكدت أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أبريل 2026 جاء بعدما اتضح أن الهدف الأمريكي المتمثل في تغيير النظام الإيراني لم يتحقق، لتتحول أولوية السعودية بعد ذلك إلى منع أي تجدد للمواجهة العسكرية، خشية تعرضها مجددًا لهجمات إيرانية.
وأشارت إلى أن حجم القلق السعودي بلغ حد رفض الرياض، وفق تقارير، منح القوات الأمريكية حقوق التحليق واستخدام قواعدها العسكرية عندما أعلنت واشنطن إطلاق عملية بحرية جديدة في الخليج خلال مايو 2026، قبل أن تعود المملكة لاحقًا إلى منح تلك التصاريح.
ورغم هذه التطورات، خلصت الدراسة إلى أن الحرب لا تعني نهاية الشراكة الدفاعية بين السعودية والولايات المتحدة، لعدم وجود بديل قادر على تعويض القدرات العسكرية الأمريكية، لكنها أكدت أن الحرب دفعت الرياض إلى إعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة وكلفتها الإستراتيجية.
وفي ملف التطبيع مع إسرائيل، اعتبرت الدراسة أن الحرب مع إيران أضعفت بصورة واضحة المبررات الإستراتيجية التي كانت تدفع السعودية نحو إقامة علاقات مع تل أبيب.
وأوضحت أن المنطق التقليدي كان يقوم على أن التقارب مع إسرائيل سيعزز أمن المملكة ويحد من التهديد الإيراني، إلا أن الحرب أظهرت، بحسب الدراسة، أن أي ارتباط سعودي بإسرائيل قد يزيد من احتمالات تعرض المملكة لهجمات إيرانية.
ولفتت إلى أن الإمارات، باعتبارها الدولة الخليجية الأكثر ارتباطًا بإسرائيل، كانت أيضًا الأكثر تعرضًا للاستهداف خلال الحرب، وهو ما عزز المخاوف السعودية من كلفة أي تقارب معلن مع تل أبيب.
وأضافت أن نجاح إسرائيل، لو تحقق، في إضعاف إيران أو تغيير نظامها كان سيؤدي أصلًا إلى تراجع أحد أهم دوافع التطبيع، وهو مواجهة التهديد الإيراني، الأمر الذي يجعل المكاسب الإستراتيجية للعلاقة مع إسرائيل أقل جاذبية بالنسبة للرياض.
وأكدت الدراسة أن استمرار الحرب في غزة، ورفض الحكومة الإسرائيلية تبني مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية، إضافة إلى رفضها الانسحاب الكامل من قطاع غزة، كلها عوامل زادت من تعقيد فرص التطبيع.
وشددت على أن السعودية ما زالت تربط أي اعتراف بإسرائيل بوجود تقدم حقيقي وموثوق نحو إقامة دولة فلسطينية، مؤكدة أن الضغوط الأمريكية والحوافز الاقتصادية لم تنجح حتى الآن في تغيير هذا الموقف.
ورأت الدراسة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب الحرب مع إيران، ساهمت في ترسيخ قناعة متزايدة داخل العالم العربي بأن إسرائيل أصبحت تمثل أحد أبرز عوامل زعزعة الاستقرار الإقليمي، وهو ما يضعف أكثر فرص التطبيع في المستقبل المنظور.
واختتمت الدراسة بالتأكيد أن الحرب مع إيران كشفت استمرار أهمية الشراكة الأمنية الأمريكية–السعودية، لكنها في الوقت نفسه عمقت الشكوك حول كلفتها ومخاطرها، فيما جعلت التطبيع مع إسرائيل أكثر تعقيدًا وأقل احتمالًا، ما لم يحدث تحول جوهري في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية.















