هيومن رايتس ووتش: حر الصيف يهدد ملايين العمال الوافدين في الخليج

حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن ملايين العمال الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي يواجهون صيفاً جديداً من المخاطر الصحية القاتلة نتيجة العمل في درجات حرارة مرتفعة، معتبرة أن الإجراءات المعمول بها حالياً لا توفر حماية كافية للعاملين في القطاعات المكشوفة، رغم تصاعد تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.

وقالت المنظمة، في تقرير أصدرته اليوم، إن العمال، ولا سيما العاملين في قطاعي البناء وخدمات التوصيل، ما زالوا يواجهون ظروفاً صعبة خلال أشهر الصيف، في ظل استمرار اعتماد معظم دول الخليج على أنظمة حظر العمل خلال ساعات محددة من النهار، وهي تدابير ترى المنظمة أنها لم تعد كافية لمواجهة المخاطر المتزايدة للإجهاد الحراري.

وأكدت أن ارتفاع درجات الحرارة العالمية جعل موجات الحر في منطقة الخليج أكثر شدة وتكراراً، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة لسياسات السلامة المهنية بما ينسجم مع المعايير العلمية الحديثة.

وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش، مايكل بَيْج، إن الأدلة العلمية المتعلقة بالمخاطر الصحية الناجمة عن الحرارة الشديدة أصبحت واضحة، إلا أن دول الخليج لا تزال تتباطأ في اعتماد إجراءات أكثر فاعلية لحماية العمال.

وأضاف أن دول المنطقة تمتلك الإمكانات المالية والإدارية التي تؤهلها لتطبيق أنظمة حديثة تربط ساعات العمل بمستويات الإجهاد الحراري الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بجداول زمنية ثابتة لا تراعي اختلاف درجات الحرارة والرطوبة من يوم إلى آخر.

وأوضح التقرير أن المنظمة أجرت، بين فبراير ومايو 2026، مقابلات مع عشرين عاملاً وافداً من باكستان وبنغلاديش ونيبال يعملون في قطاعات البناء وخدمات التوصيل عبر التطبيقات في الإمارات والسعودية وقطر والكويت، وذلك في إطار متابعة سنوية ترصد أوضاع العمال في الهواء الطلق خلال فصل الصيف.

ونقل التقرير شهادات متكررة عن اضطرار العمال إلى مواصلة العمل رغم بلوغ درجات الحرارة مستويات مرهقة بدنياً، بسبب ضغوط أصحاب العمل والخشية من فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل.

وقال أحد العمال إن حرارة الصيف أصبحت تتجاوز قدرة الإنسان العادي على التحمل، مضيفاً أن العاملين يتهيأون نفسياً مع بداية كل موسم صيف للتعامل مع الظروف القاسية التي تنتظرهم.

وأكدت المنظمة أن التعرض المستمر للحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى الإصابة بضربة شمس، والإجهاد الحراري، والفشل الكلوي، إضافة إلى تراجع التركيز وزيادة احتمالات الحوادث والإصابات المهنية، وقد ينتهي في بعض الحالات بالوفاة.

وأشار عدد من العمال الذين أجريت معهم المقابلات إلى أنهم يسمعون باستمرار عن حالات انهيار أو وفاة لعمال في مواقع عمل مختلفة نتيجة التعرض للحر الشديد، وهو ما يخلق حالة دائمة من القلق والخوف بين العاملين في المهن الخارجية.

ولفت التقرير إلى أن شركات القطاع الخاص لا تطبق معايير موحدة لحماية العمال، إذ توفر بعض الشركات مياه شرب باردة ومناطق استراحة مكيفة وخدمات طبية داخل مواقع العمل، بينما تفتقر شركات أخرى إلى الحد الأدنى من وسائل الحماية.

كما اشتكى عمال من نقص المرافق الصحية في بعض مواقع العمل، وهو ما يدفع البعض إلى تقليل شرب المياه لتجنب الحاجة إلى استخدام دورات المياه، الأمر الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالجفاف.

وفي قطاع خدمات التوصيل، قال عمال يعملون عبر المنصات الرقمية إن ضغوط سرعة التسليم تجعل من الصعب رفض الطلبات حتى في ذروة موجات الحر، خشية فقدان الحوافز المالية أو التعرض لعقوبات من الشركات المشغلة.

وأضافوا أن بعض الشركات وفرت حافلات مكيفة أو محطات استراحة مزودة بالمياه الباردة، إلا أن هذه الخدمات لا تزال محدودة ولا تغطي جميع مناطق العمل.

ورغم تطبيق حظر العمل في منتصف النهار خلال أشهر الصيف في معظم دول الخليج، ترى هيومن رايتس ووتش أن هذه الإجراءات تعتمد على توقيت ثابت ولا تستند إلى قياس مستويات الإجهاد الحراري الفعلية، وهو ما يقلل من فعاليتها في حماية العمال.

وأشارت المنظمة إلى أن قطر كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي اعتمدت منذ عام 2021 نظاماً يستند إلى مؤشر درجة الحرارة الرطبة لوقف العمل، لكنها اعتبرت أن الحد المعتمد لا يزال مرتفعاً، فضلاً عن وجود تحديات تتعلق بآليات التنفيذ والرقابة.

ودعت هيومن رايتس ووتش حكومات دول الخليج إلى اعتماد سياسات جديدة تستند إلى الأدلة العلمية، تشمل ربط ساعات العمل بدرجات الحرارة والرطوبة الفعلية، وتوفير مياه شرب باردة، ومناطق مظللة ومكيفة، وفترات راحة إلزامية تتناسب مع شدة الحرارة وطبيعة العمل.

كما طالبت بتشديد الرقابة على التزام الشركات بإجراءات السلامة والصحة المهنية، وضمان عدم تعرض العمال للعقوبات عند التوقف عن العمل بسبب المخاطر الصحية.

وأشارت المنظمة إلى أن معاهدة جديدة اعتمدتها منظمة العمل الدولية في 12 يونيو الجاري بشأن العاملين في الوظائف المؤقتة تلزم الحكومات بوضع تدابير فعالة للوقاية من المخاطر المهنية، بما في ذلك المخاطر الناجمة عن الحرارة الشديدة، داعية دول الخليج إلى التصديق عليها وإدماجها في تشريعاتها الوطنية.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغير المناخي يجعل من تطوير سياسات الحماية أمراً ملحاً، محذرة من أن غياب الإصلاحات اللازمة سيبقي ملايين العمال الوافدين عرضة لمخاطر صحية جسيمة مع حلول كل موسم صيف جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى