منسق الأنشطة الإسرائيلية يزور أبوظبي لبحث ملف المساعدات في غزة

في تطور لافت يسلط الضوء على الفشل المتزايد للنهج الإسرائيلي في إدارة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، رفضت الإمارات العربية المتحدة الانضمام إلى آلية مساعدات إنسانية تقودها إسرائيل، معتبرة أنها لا تلبي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة لإغاثة السكان المحاصرين.
الرفض الإماراتي يعد صفعة قوية لمبادرة إسرائيلية وُصفت من قبل منظمات حقوقية بأنها “غطاء لإدارة تجويع جماعي”.
خلال زيارة سرية قام بها منسق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، اللواء غسان عليان، ومستشار الشؤون الاستراتيجية موران ستاف، إلى أبوظبي، التقى الوفد بعدد من كبار المسؤولين الإماراتيين، من بينهم وزيرة التعاون الدولي ريم الهاشمي، المسؤولة عن ملف المساعدات لغزة.
ونقل موقع “والا” العبري عن مصدر مطلع أن الهاشمي أبلغت الوفد الإسرائيلي بوضوح أن آلية المساعدات المطروحة في صيغتها الحالية لا ترقى لمتطلبات الإمارات، سواء من الناحية الإنسانية أو الأخلاقية، وبالتالي لا يمكن للإمارات التعاون معها أو تمويلها.
اللقاء تخلله عرض إسرائيلي لصندوق “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، وهي المبادرة التي تهدف وفق الرؤية الإسرائيلية إلى استئناف المساعدات عبر مسارات تضمن “منع تسربها إلى حماس”.
لكن الوثائق التي حصلت عليها وسائل إعلام غربية تكشف عن أهداف أبعد من ذلك، تتضمن استخدام المساعدات كأداة للضغط السياسي، وفرض أجندة تهجير قسري مقنعة.
بحسب مذكرة داخلية صادرة عن GHF، فإن المرحلة الأولى من توزيع المساعدات لن تغطي سوى 60% فقط من سكان غزة، أي نحو 1.2 مليون من أصل أكثر من 2 مليون نسمة.
والأخطر أن المبادرة لم تحدد مدة المرحلة الأولية، ما يثير المخاوف من أن يتحول هذا الوضع المؤقت إلى دائم، في ظل تعقيدات الحرب واستمرار الحصار.
ورغم اعتراف المؤسسة بأن سكان غزة “يعانون من حرمان شديد”، فإنها تكتفي بالإشارة إلى إنشاء أربع “مواقع توزيع آمنة”، لا تكفي لخدمة الجميع، مع خطط غير واضحة للتوسع.
هذا النقص الفادح في التغطية يُعَدّ، بحسب مراقبين، انتهاكًا فاضحًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استخدام الغذاء كسلاح في الحروب.
في هذا السياق، أعلنت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية، بينها برنامج الأغذية العالمي، رفضها المشاركة في الخطة الإسرائيلية، معتبرة أن المبادرة لا تتعامل بجدية مع الأزمة الإنسانية، وتحوّل المساعدات إلى وسيلة عقاب جماعي.
إدارة ترامب، التي تضغط بقوة لتفعيل الخطة، حاولت بدورها إلزام هذه المنظمات الدولية بالتعاون، عبر التهديد بقطع التمويل الأمريكي عنها، كما أكدت ثلاثة مصادر دبلوماسية لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. هذه الممارسات توحي بأن الخطة لا تتسم بالاستقلالية أو المصداقية، بل تخدم مصالح سياسية على حساب أرواح الأبرياء.
من جهة أخرى، لم تتلق إسرائيل أي استجابة إيجابية من دول أخرى لدعم أو احتضان الخطة. بل ورفضت دول استقبال لاجئين فلسطينيين ضمن خطة إسرائيلية لتقليص عدد السكان في القطاع عبر الهجرة “الطوعية”، التي تُعد في ظل القصف المستمر والنزوح الواسع نوعًا من التهجير القسري الممنهج.
أحد الدبلوماسيين الغربيين قال بوضوح إن آلية المساعدات التي تروج لها إسرائيل لا ترقى لمستوى مبادرة إنسانية، بل توحي بأنها “عملية إدارة للمعاناة وليس معالجتها”. ويضيف أن عدم توفير الحد الأدنى من الغذاء والدواء لأكثر من 800 ألف إنسان، مع استمرار الحصار والقصف، هو شكل من أشكال العقاب الجماعي المحظور دوليًا.
الجدير بالذكر أن الإمارات لم تكتفِ بالرفض، بل عبرت عنه دبلوماسيًا عبر القنوات المغلقة، وهو ما شكّل ضربة موجعة للمساعي الإسرائيلية التي كانت تأمل أن يؤدي التمويل الإماراتي إلى كسر مقاطعة دولية واسعة للخطة.
حتى الآن، تصر إسرائيل على المضي قدمًا في المبادرة رغم المعارضة، وتحاول إظهار دعم أمريكي لها من خلال مؤتمر صحفي عقده السفير الأمريكي مايك هاكابي، الذي اكتفى بعبارات عامة عن “الجهود الجارية”، دون تقديم أي تفاصيل ملموسة عن كيفية توزيع المساعدات أو ضمان شفافيتها.
لكن وبحسب الوثائق والمواقف الصادرة، فإن ما يسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” قد تتحول إلى أداة لتجويع سكان غزة بدلًا من إغاثتهم، في الوقت الذي بات فيه أكثر من مليون ونصف إنسان يواجهون خطر المجاعة في ظل قصف مستمر ونقص حاد في المواد الأساسية.















