التغييرات في نظام حكومة الإمارات والعلاقات بين أبوظبي ودبي

اعتبر مقال تحليلي أن التغييرات الأخيرة في نظام حكومة الإمارات العربية المتحدة تمثل تحولاً استراتيجياً في ديناميكيات القوة بين دبي وأبو ظبي، مما يعكس التعاون والمنافسة الدقيقة.
وتناول التحليل الصادر عن مركز دراسات الشرق الأوسط، إعلان نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، في 14 يوليو الجاري، عن تعيين نائبين جديدين لرئيس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة وتغييرات مهمة. صنعت في مجلس الوزراء.
وبحسب التحليل يهدف المسؤولون في دولة الإمارات إلى إعادة توزيع المسؤوليات من خلال الجمع بين مختلف الوزارات والسلطات، وبالتالي إنشاء حكومة أكثر تنظيماً وكفاءة.
وذكر أن أحد الأسباب الأكثر أهمية للتغييرات ذات الصلة هو ضمان حدوث عمليات صنع القرار الحيوية بشكل أسرع في بيئة عالمية سريعة التغير.
ومن الأغراض الأخرى لدولة الإمارات في تنفيذ هذه التغييرات إغلاق غالبية مراكز الخدمة العامة وتحويلها إلى منصات رقمية، وتنفيذ هذا التحول بشكل مكثف.
وبهذه الطريقة، يتم زيادة إمكانية الوصول والراحة للمواطنين، وتقليل أوجه القصور البيروقراطية وتحسين الخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، يهدف إنشاء وزارات جديدة وجمع بعض الوزارات القائمة تحت سقف واحد إلى دعم الأولويات الاقتصادية الاستراتيجية لدولة الإمارات.
على سبيل المثال، يهدف إنشاء وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة إلى تطوير القطاع الصناعي الوطني وتشجيع الابتكار والتقدم التكنولوجي.
وفي الوقت نفسه، تسلط التعيينات الجديدة في وزارة الاقتصاد الضوء على أهمية ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتجارة الخارجية في الاستراتيجية الاقتصادية لدولة الإمارات.
وتتضمن إعادة الهيكلة أيضًا إنشاء أدوار جديدة والجمع بين الأدوار الحالية لمعالجة القضايا الاجتماعية والبيئية.
محور دبي-أبو ظبي
لكن إحدى النقاط الأكثر أهمية في كل هذه الترتيبات هي صعود دبي في السياسة الإماراتية والعلاقات بين دبي وأبو ظبي. ينبغي قراءة تعيين الشيخ حمدان بن محمد بن راشد، نجل أمير دبي محمد بن راشد وأيضاً ولي عهد دبي، نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع، على أنه تطور يمكن أن يزيد من نفوذ دبي في السياسات الأمنية.
وبالنظر إلى أن المنصب يشغله حاليا محمد بن راشد، فإن حقيقة تسليم هذا المنصب إلى الشيخ حمدان، الذي يبلغ من العمر 41 عاما فقط، تظهر أن دبي سوف ترغب في تعزيز قوتها في السياسة الإماراتية في المستقبل.
والشيخ حمدان، المعروف باسم “فزاع”، هو ولي عهد دبي، تم تعيينه في عام 2008. وبعد تحركات الشيخ حمدان في دبي، يمكن القول إن الإمارات قد تشجع التحديث في قطاع الدفاع، بما في ذلك من خلال تشجيع الابتكار في القدرات الدفاعية، بما في ذلك التقنيات المتقدمة، وضمان تحديث القوات المسلحة الإماراتية.
ولعب الشيخ حمدان أدوارًا رئيسية في مبادرات اجتماعية أخرى مثل معرض دبي إكسبو 2020، ومبادرة دبي الذكية، ومؤسسة دبي للمستقبل، وتوسعة مركز دبي المالي العالمي، بالإضافة إلى الأعمال الخيرية.
ورأى التحليل أن تعيين الشيخ حمدان نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع يمكن أن يخلق ديناميكية تكون فيها قواعد السلطة في دبي وأبو ظبي أكثر توازناً، خاصة مع تزايد نفوذ الشيخ حمدان في الحكومة الفيدرالية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تعيين عبد الله بن زايد البالغ من العمر 52 عاماً، والذي يشغل منصب وزير الخارجية منذ عام 2006، نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع استمراره في منصبه كوزير للخارجية، له أهمية بالغة.
إذ بصفته نائبًا لرئيس الوزراء، من المرجح أن يكون للشيخ عبد الله دور أكثر بروزا في الإدارة الفيدرالية، حيث يعمل بشكل وثيق مع الشيخ حمدان وشخصيات رئيسية أخرى مثل ولي عهد أبو ظبي الشيخ خالد بن محمد.
في حين أن الخلافة المباشرة للرئاسة في دولة الإمارات تتبع عادةً خط الأسرة الحاكمة الأساسية الحالية في أبو ظبي، فإن تعيين شقيق الرئيس، الشيخ عبد الله، نائباً لرئيس الوزراء يضعه في وضع يمكن أن يُنظر فيه للرئاسة أو غيرها من الأدوار العليا في المستقبل.
الأنماط السياسية التاريخية
تاريخياً، كانت أبوظبي الإمارة المهيمنة في دولة الإمارات مع سيطرة كبيرة على الشؤون الفيدرالية.
وتقديم أبوظبي 10 مليارات دولار لدبي لتخفيف السلبيات التي عاشتها بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008 ، دفع أبوظبي إلى الواجهة في الصراع المتوازن بين الفاعلين.
وفي الواقع، ونظراً لدوره في التغلب على هذه الصعوبات المالية، أطلق اسم رئيس دولة الإمارات وأمير أبوظبي آنذاك، خليفة بن زايد، على برج دبي، الهيكل الأيقوني الذي تم تحديده مع دبي، وبقي اسم الهيكل برج خليفة.
وفي البيئة الاقتصادية العالمية بعد عام 2008، انتهجت دبي سياسة تنويع مواردها الاقتصادية من خلال التركيز على مجالات مثل السياحة والخدمات المالية والقطاع العقاري، وهو ما يرمز إلى التناقض مع اقتصاد أبوظبي المعتمد على النفط.
وأدى انخفاض أسعار النفط من 100 دولار إلى 44 دولارا في عام 2014 إلى ظهور تشابهات في السياسات الاقتصادية لأبوظبي ودبي داخل دولة الإمارات.
وواصلت دبي مبادراتها في إطار سياستها لتنويع مواردها الاقتصادية في السنوات التالية، وحاولت إبراز دبي في قطاعي السياحة والمالية من خلال مواصلة أنشطتها مثل معرض إكسبو 2020 وفق سياسات علامتها التجارية العالمية.
وكانت دبي، التي تبرز بشكل خاص في قطاعات مثل السياحة والطيران، أكثر تأثراً بالأزمات العالمية مثل كوفيد-19.
ومن المرجح أن ينجم التوازن بين دبي وأبوظبي في هذه التعيينات عن اختلاف الرؤى لمستقبل الإمارات أو التنافس على السياسات والقرارات الفيدرالية الرئيسية.
وينتمي منصور بن زايد وسيف بن زايد، اللذين يشغلان حاليا منصب نائب رئيس الوزراء، إلى الأسرة الحاكمة في أبو ظبي، بينما ينتمي مكتوم بن محمد إلى الأسرة الحاكمة في دبي.
وفي هذه المرحلة، يمكن القول إن أبوظبي ودبي، ضمن الحكومة الاتحادية في دولة الإمارات تبنتا سياسات مختلفة فيما يتعلق بتنويع الموارد الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فضلاً عن القضايا السياسية.
وبالنظر إلى الاختلافات في الرأي حول القضايا السياسية، يمكن القول إن دبي تقف على النقيض من العائلة الحاكمة في أبو ظبي في السياسات الأخيرة مثل الحظر على قطر والإجراءات القاسية ضد إيران.
وحقيقة أن المواطنين الإيرانيين في دبي تربطهم علاقات تجارية وواقع اجتماعي، تكشف أن دبي لا تتفق مع النخب السياسية في أبو ظبي في هذا الصدد.
وفي الوقت نفسه، ومن أجل تنويع الموارد الاقتصادية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، تقوم دبي ببناء مناطق اقتصادية حرة، ودعم سياسات اقتصادية أكثر انفتاحاً وليبرالية، وتهيئة بيئة مواتية للمستثمرين الدوليين.
ويمكن لأبو ظبي، التي تحتوي على أكثر من 93% من احتياطيات النفط في دولة الإمارات العربية المتحدة وتبني اقتصادها على النفط، أن تتخذ مواقف أكثر صرامة في السياسة الخارجية من وقت لآخر (مثال قطر وإيران) وتبني سياساتها الاقتصادية على المدى الطويل.
وفي الوقت نفسه، تهتم أبوظبي أكثر بقطاعات مثل الطيران وصناعة الدفاع والطاقة المتجددة والاقتصاد القائم على المعرفة. ولذلك، أحدثت هذه العملية برمتها توتراً مستتراً بين أبوظبي ودبي، وهو التوتر الذي تمت إدارته في معظم الأوقات.
وعلى الرغم من الخلافات الأساسية المذكورة أعلاه، تجدر الإشارة إلى أن الهيكل الاتحادي لدولة الإمارات يوفر منصة للتعاون، وقد نشأ نظام تستمر فيه الخلافات ولكن لا تعطل الأداء العام للحكومة.
ومن الأمثلة الحديثة على نجاح هذا النظام هو أنه بعد وفاة الخليفة بن زايد في عام 2022، سارع المجلس الأعلى الاتحادي ، المؤلف من حكام الإمارات ، إلى انتخاب محمد بن زايد رئيساً للدولة بالإجماع.
وبحسب التحليل يشجع النظام السياسي في دولة الإمارات التعاون بين الأسر الحاكمة في الإمارات السبع من خلال آليات سياسية معينة. ويضمن المجلس الأعلى للاتحاد، المؤلف من حكام كل إمارة، اتخاذ القرارات المهمة بشكل جماعي.
كما يضمن هذا النظام مستوى معين من التوازن بين إمارات مثل أبوظبي ودبي والشارقة، وهي الإمارات الأقوى من الناحية السياسية والمالية.
دلالات تطلعية
في الختام، تعمل دبي على تعزيز أهميتها الاستراتيجية داخل الإدارة الفيدرالية لدولة الإمارات من خلال تعيين الشيخ حمدان وزيراً للدفاع.
وفي الوقت نفسه، بصفته ولي عهد أبو ظبي، لا تزال أدوار الشيخ خالد ونفوذه في أبو ظبي، خاصة في الأمور الأمنية والاقتصادية، مهمة.
وإن ترقية الشيخ حمدان إلى دور فدرالي رئيسي من شأنه أن يخلق توازناً سياسياً مهماً بين دبي وأبو ظبي، في حين يبدو أن الهيكل السياسي لدولة الإمارات وتأكيده على الوحدة والاستقرار من شأنه أن يمنع أي صراع خطير. والسبب الذي يجعل ذلك يبدو مرجحا للغاية هو أنه على الرغم من وجود أسماء من أبوظبي ودبي حاليا في الحكومة الاتحادية، إلا أن الخلافات في الرأي على أساس الأفكار السياسية لم تصل إلى مستوى من شأنه أن يعطل عمل النظام.
يمثل تعيين الشيخ حمدان بن محمد وزيراً للدفاع ونائباً لرئيس مجلس الوزراء في دولة الإمارات تحولاً استراتيجياً في ديناميكيات القوة بين دبي وأبو ظبي، مما يعكس التعاون والمنافسة الدقيقة.
وقد أكد الإنقاذ المالي الذي قامت به أبو ظبي لدبي بعد عام 2008 خلال أزمة الديون على هيمنة أبو ظبي الاقتصادية في البلاد، ولكن في الوقت نفسه، أكد هذا التطور على الحاجة إلى نفوذ اتحادي متوازن.
وتهدف هذه الخطوة إلى توفير نهج أكثر تكاملاً للحكم الوطني من خلال تعزيز الوحدة من خلال الاستفادة من النفوذ الاقتصادي والسياسي لأبو ظبي وكذلك القوة الابتكارية لدبي.
كما أن تعيين الشيخ حمدان والشيخ عبد الله في مناصب اتحادية بارزة يعزز موقع الثنائي الاستراتيجي للقيادة المستقبلية المحتملة في دولة الإمارات.















