الصين تحذر واشنطن من توسيع عقوبات إيران.. بكين تتوعد بحماية شركاتها

حذرت الصين الولايات المتحدة من اتخاذ إجراءات انتقامية إذا وسعت واشنطن حملتها للعقوبات المفروضة على إيران لتشمل الشركات الصينية، في تصعيد ينذر بفتح جبهة جديدة في التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، بالتزامن مع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية وتزايد الضغوط الاقتصادية على طهران.
وجاء التحذير الصيني بعد إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، إجراءات جديدة تهدف إلى تشديد عزل إيران اقتصادياً، وتهديد الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران بإجراءات قد تصل إلى استبعادها من النظام المالي القائم على الدولار.
ونقلت فايننشال تايمز أن بكين حذرت من توسيع العقوبات الثانوية الأميركية لتشمل الشركات الصينية، فيما أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن بلاده ستتخذ “جميع التدابير اللازمة” لحماية مصالح الشركات الصينية.
وجددت بكين رفضها للعقوبات الأحادية التي لا تستند إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي، داعية في الوقت نفسه إلى خفض التصعيد والعودة إلى المفاوضات لإنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
وكانت واشنطن قد فرضت في أحدث حزمة من العقوبات إجراءات بحق 60 فرداً وشركة وسفينة، بينها كيانات في البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ، لكنها لم تستهدف حتى الآن البنوك الصينية الكبرى التي يُشتبه في تسهيلها تجارة النفط الإيراني.
ويمثل هذا الاستثناء نقطة حساسة في المواجهة، نظراً إلى أن الصين تعد منذ سنوات أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، فيما تعتمد طهران بدرجة كبيرة على السوق الصينية لتصريف صادراتها النفطية.
وتستورد الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، ويجري الجزء الأكبر منها عبر مصافي تكرير صغيرة ومستقلة تعرف باسم “مصافي التكرير الصغيرة”. وفي حين تتجنب شركات التكرير الحكومية الصينية الكبرى عموماً النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، واصلت مصافي التكرير الخاصة شراء الخام الإيراني.
لكن الشحنات الإيرانية إلى الصين تراجعت بشدة منذ أن جددت الولايات المتحدة ضغطها على الموانئ الإيرانية في منتصف يوليو/تموز، ما يعكس التأثير المتزايد للعقوبات والقيود على حركة التجارة والطاقة.
ويأتي التهديد الصيني في توقيت حساس للعلاقات بين بكين وواشنطن، قبل أسابيع من اللقاء المتوقع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن. ومن المنتظر أن يبحث الطرفان مستقبل الهدنة التجارية الهشة التي تم التوصل إليها العام الماضي، إلى جانب ملفات اقتصادية وتجارية أخرى.
وفي حال تحولت التهديدات الأميركية إلى إجراءات واسعة ضد الشركات الصينية الكبرى، فقد تتداخل الأزمة الإيرانية مباشرة مع النزاع الاقتصادي بين واشنطن وبكين، بما يوسع نطاق المواجهة من الطاقة والعقوبات إلى سلاسل التوريد والتكنولوجيا.
وتملك الصين أدوات ضغط قوية في هذا المجال، خصوصاً أنها تهيمن على جزء كبير من الإمدادات العالمية لعدد من المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتقدمة. وقد أظهرت القيود الصينية السابقة على تصدير بعض هذه المواد استعداد بكين لاستخدام سلاسل الإمداد كورقة ضغط في النزاعات التجارية.
وقال وانغ دونغ، الباحث في جامعة بكين، لـ”فايننشال تايمز”، إن من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت تهديدات واشنطن بالعقوبات الثانوية تستهدف الضغط السياسي فقط أم أنها ستتحول إلى حملة شاملة ضد المصالح الصينية. لكنه أكد أن بكين ستدافع عن مصالحها الاقتصادية إذا استهدفت كيانات وشركات صينية.
وفي الوقت ذاته، تسعى الصين إلى تجنب توسع الحرب الأميركية الإيرانية بما يهدد إمدادات الطاقة العالمية، نظراً إلى اعتماد اقتصادها الكبير على النفط المستورد من الشرق الأوسط.
ورغم أهمية الخام الإيراني بالنسبة إلى الصين، فإن بكين تعتمد كذلك على السعودية والعراق لتأمين جزء كبير من احتياجاتها النفطية، ما يجعل استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز مصدر قلق استراتيجي أوسع.
وتظهر بيانات حركة الملاحة مدى حجم الاضطراب، إذ بلغت حركة النفط عبر مضيق هرمز نحو خمسة ملايين برميل يومياً، وفق بيانات أولية نقلتها “رويترز”، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب.
وتتحرك بكين دبلوماسياً في محاولة لاحتواء التداعيات. فقد التقى شي جين بينغ خلال الأيام الماضية العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، فيما أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثات مع نظيره الكويتي، وبرزت الأزمة الإقليمية ومستقبل الملاحة والطاقة خلال المناقشات.
وقال تشو فنغ، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة نانجينغ، إن الصين لا تريد الانخراط بصورة مباشرة في الصراع الأميركي الإيراني، لكنها تشعر بقلق متزايد من التداعيات الاقتصادية لاستمرار الاضطرابات في الخليج.
ويعكس الموقف الصيني معادلة دقيقة: بكين تريد استمرار تدفق النفط والتجارة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه السماح لواشنطن باستخدام العقوبات على إيران كأداة لتوسيع الضغط على الشركات الصينية.















