أتلانتك الأمريكية: الهجوم الإسرائيلي على قطر استهدف تقويض جهود التهدئة في غزة

أكدت مجلة أتلانتك الأمريكية أن الضربة الصاروخية الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة لم تكن مجرد عملية عسكرية معزولة، بل جاءت في توقيت حساس كان من شأنه أن ينسف الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إبرام اتفاق هدنة في غزة.

وذكرت المجلة أنه بينما يبقى الغموض مسيطراً حول مصير قادة حركة حماس الذين استهدفتهم الضربة، فإن المؤكد أن المفاوضات التي توسطت فيها الولايات المتحدة قد انهارت عملياً، الأمر الذي يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر وعدم اليقين.

وأشارت إلى أن قطر، التي استضافت قادة المكتب السياسي لحماس لسنوات بناءً على طلب أمريكي، لعبت دور الوسيط الأساسي في المفاوضات الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في غزة.

غير أن استهداف الأراضي القطرية شكّل سابقة خطيرة، دفعت الدوحة إلى إصدار إدانة حادة وغير معتادة تجاه إسرائيل، مؤكدة أن استهداف فريق التفاوض على أرضها يقوّض تماماً أي أفق للعملية السياسية.

ولخصت السفيرة الأمريكية السابقة في الدوحة، دانا شيل سميث، الأمر بوضوح: “عندما يقصف أحد الأطراف فريق التفاوض التابع للطرف الآخر، يصبح من المستحيل تصور طريق للمضي قدماً.”

حسابات إسرائيلية مشوشة

رغم محاولة الحكومة الإسرائيلية تبرير العملية بأنها استهدفت “إرهابيين مدعومين من إيران”، فإن تسريبات من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها تشير إلى أن العملية لم تحقق أهدافها.

وقد وصف ضباط سابقون في الموساد التوقيت بأنه “غبي سياسياً”، فيما أقر مسؤولون إسرائيليون كبار بأن العملية لم تحقق أي مكسب استراتيجي ملموس، بل زادت من تعقيد قضية الأسرى وقللت فرص التوصل إلى تسوية.

حتى داخل إسرائيل، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً متزايدة، خصوصاً إذا تبيّن أن قادة حماس المستهدفين ما زالوا على قيد الحياة، وهو ما سيُفسَّر كفشل مزدوج: عسكري ودبلوماسي.

مأزق أمريكي وغضب خلف الكواليس

البيت الأبيض، الذي كان يدفع بقوة نحو اتفاق وقف إطلاق النار، وجد نفسه في موقف حرج.

إذ أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبّر علناً عن “عدم سعادته” بالهجوم، بينما أظهر مسؤولون أمريكيون غضباً أشد في الكواليس، معتبرين أن نتنياهو نسف جهوداً دبلوماسية معقدة كان قد شارك فيها كبار مستشاري الرئيس، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

وترى التقديرات الأمريكية أن الضربة لم تكن مجرد عمل عسكري، بل محاولة إسرائيلية متعمدة لإفشال مسار المفاوضات التي كانت على وشك أن تثمر عن تقدم في ملف غزة، وهو ما يثير تساؤلات حول دوافع نتنياهو الذي يواجه أزمة سياسية داخلية خانقة.

وأكثر من تضرر من الهجوم هم عائلات الأسرى المحتجزين في غزة.

فقد كان المقترح الأمريكي الأخير يتضمن إطلاق سراحهم مقابل وقف إطلاق النار، لكن العملية العسكرية الإسرائيلية أجهضت ذلك.

وقد عبرت عائلات الأسرى، ومن بينها عائلة المواطن الأمريكي الإسرائيلي إيتاي تشن، عن غضبها، متهمة نتنياهو بالمقامرة بمصير أبنائهم لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى.

هذا الغضب الشعبي داخل إسرائيل يزيد من الضغط على الحكومة، ويعمّق الانقسام بين من يرون أن استمرار الحرب ضروري، ومن يعتقدون أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد.

صدمة قطر وإعادة تقييم الدور الإقليمي

أكد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في مؤتمر صحفي أن “الاستقرار في المنطقة لا يتحقق إلا بالدبلوماسية، لا بالصواريخ”، مشيراً بوضوح إلى أن إسرائيل لم تعد شريكاً يمكن الوثوق به.

ورغم أن الدوحة لم تعلن رسمياً انسحابها من الوساطة، فإن المؤشرات تدل على أن قطر بصدد إعادة تقييم جذرية لدورها، خصوصاً في ظل استهداف سيادتها المباشر.

هذا التطور يضع الولايات المتحدة أمام مأزق إضافي، إذ لا يوجد بديل حقيقي لقطر في لعب دور الوسيط الفاعل بين إسرائيل وحماس.

تداعيات عسكرية واستراتيجية

من الناحية العسكرية، تزامن الهجوم مع استعداد القوات الإسرائيلية لدخول مدينة غزة، التي أعلن نتنياهو أنها “المعقل الأخير لحماس”. لكن الخبراء يرون أن الاستيلاء على المدينة لن يضمن النصر، خصوصاً في ظل استمرار المقاومة المسلحة وغياب أي تصور سياسي لما بعد الحرب.

في الوقت نفسه، أثارت الضربة مخاوف داخل وزارة الدفاع الأمريكية بشأن سلامة الجنود الأمريكيين المنتشرين في قاعدة العديد بقطر، إذ لم تُفعّل الدفاعات الجوية الأمريكية أو القطرية لصد الهجوم، ما كشف عن ثغرات أمنية كبيرة.

والهجوم الإسرائيلي على قطر لم يقوّض فقط الجهود الأمريكية لوقف الحرب، بل ضرب أيضاً أسس الثقة بين واشنطن والدوحة. قطر، التي ساعدت الولايات المتحدة في انسحابها من أفغانستان عام 2021 واحتضنت آلاف الجنود الأمريكيين، تشعر اليوم أنها تُكافأ بالإهمال والتعرض للخطر بسبب حسابات نتنياهو الداخلية.

هذا الوضع قد يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لعلاقات التحالف في المنطقة، ويضعف صورة الولايات المتحدة كضامن للاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى