الإكونوميست: السيسي من أكبر الخاسرين في الشرق الأوسط وخيب آمال القادة العرب

نشرت مجلة الإيكونوميست تقريرًا مطولًا تناولت فيه التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، مشيرةً إلى أن بعض القوى الإقليمية التقليدية، وعلى رأسها مصر، بدأت تتراجع عن مكانتها السابقة، في حين تصعد دولٌ أخرى لتملأ هذا الفراغ في المشهد السياسي والاقتصادي للمنطقة.
وبحسب التقرير، كانت مصر في السنوات الماضية تحظى بحضور سياسي بارز، يتجلى في زياراتها المتكررة للعواصم الكبرى وظهورها إلى جانب قادة عالميين.
ففي أبريل/نيسان 2017، حظي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باستقبال حافل في البيت الأبيض من قبل الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب.
ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهر إلى جانبه مجددًا في الرياض خلال افتتاح مركز لمكافحة الإرهاب، في مشهدٍ يعكس مدى القبول الذي كان يحظى به النظام المصري في أوساط قادة الخليج والولايات المتحدة.
لكن الإيكونوميست تشير إلى أن هذا المشهد تغيّر بشكل لافت. فعندما عاد ترامب إلى الرياض في مايو/أيار الماضي، لم يُدعَ السيسي للمشاركة في اللقاءات رفيعة المستوى.
وبدلًا من ذلك، حضر قمة هامشية لجامعة الدول العربية في بغداد، شارك فيها خمسة رؤساء فقط، بينما اكتفى معظم قادة الدول العربية بإيفاد وزرائهم.
وتقول المجلة إن هذا التراجع يعبّر عن تحول أعمق في التوازنات الإقليمية. إذ تزداد هشاشة المحور الإيراني، وتظهر مؤشرات على رغبة الخليج في التقارب مع كل من طهران وأنقرة.
أما الخطاب الأمريكي، بحسب التقرير، فقد بات يركّز على “شرق أوسط جديد” تسوده التجارة والتنمية، بدلًا من النزاعات والصراعات التي طالما غذّت السياسات الإقليمية.
ورغم أن الأوضاع في المنطقة لا تزال هشّة، ترى الإيكونوميست أن دول الخليج باتت تُملي إيقاع الأحداث، في حين تحولت قوى تقليدية مثل مصر إلى متفرّجات.
وتشير المجلة إلى أن السيسي يتحمل مسؤولية كبيرة عن هذا التراجع، بسبب إدارته الفاشلة للاقتصاد المصري، وإصراره على تنفيذ مشاريع ضخمة غير ذات جدوى، مما أدى إلى تراكم ديون عامة تقترب من 90% من الناتج المحلي الإجمالي، ورفضه المستمر للإصلاحات الضرورية التي من شأنها تحفيز القطاع الخاص.
وتضيف المجلة أن مصر اعتمدت بشكل مفرط على المساعدات الخارجية، إذ تلقت ما لا يقل عن 45 مليار دولار من دول الخليج منذ عام 2013، بالإضافة إلى كونها ثالث أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي.
ومع ذلك، بدأت بعض الدول الأخرى، مثل لبنان وسوريا، تُقدَّم باعتبارها فرصًا استثمارية واعدة، في ظل وعود حكوماتها المؤقتة بإصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.
وتنقل الإيكونوميست عن مصادر خليجية قولها إن الحكومة السورية المؤقتة، بقيادة الرئيس الجديد أحمد الشرع، تسعى إلى خصخصة الشركات العامة وجذب الاستثمارات الأجنبية، فيما يعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون عن عزمه نزع سلاح حزب الله.
وتؤكد المجلة أن المساعدات الموجهة إلى هذه الدول قد تسهم فعلًا في تغيير واقعها السياسي والاقتصادي، على عكس المساعدات التي تُمنح لمصر، والتي لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة.
أما العراق، فتقول المجلة إنه بات على هامش الحسابات الإقليمية. فإيران، التي فقدت نفوذها في سوريا، تسعى الآن للحفاظ على نفوذها داخل العراق عبر دعم عدد من الميليشيات المسلحة.
وينقل التقرير عن مسؤولين خليجيين وصفهم للعراق بأنه “قضية خاسرة”، بسبب تغلغل هذه الميليشيات في مؤسسات الدولة.
وبينما لم يتمكن الرئيس السوري أحمد الشرع من حضور قمة بغداد خوفًا من تهديدات تلك الميليشيات، توجّه إلى الرياض حيث التقى بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحصل على وعود برفع العقوبات الأمريكية.
وترى المجلة أن هذا اللقاء يعكس رغبة سعودية في دعم سوريا جديدة، تكون بمثابة حاجز إقليمي أمام النفوذ الإيراني، وتعيد توازن القوى في العراق.
وتمضي الإيكونوميست إلى القول إن الفلسطينيين، الذين شكّلوا لسنوات طويلة جوهر الاهتمام العربي، بدأوا يفقدون هذه المركزية.
وتحمّل المجلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسؤولية هذا التراجع، متهمةً إدارته في الضفة الغربية بالفساد والجمود.
أما حماس، فتقدّم نموذجًا أكثر قتامة من خلال استمرارها في التمسك بالسلطة رغم تدمير غزة.
وتشير إلى وجود نقاشات جدّية في لبنان وسوريا لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وسط تلميحات إلى إمكانية إقامة نوع من السلام مع إسرائيل، لا يصل إلى التطبيع الكامل، لكنه ينهي عقودًا من العداء.
وتختم الإيكونوميست تقريرها بالإشارة إلى أن هذا التحول الإقليمي كان غير متوقع قبل عام فقط، حين كان لبنان وسوريا يُعدان ساحتي فوضى وأزمات.
اليوم، تعتبرهما دول الخليج والولايات المتحدة محورًا لشرق أوسط جديد محتمل، بشرط أن تترجم الحكومات المؤقتة وعودها إلى نتائج ملموسة.
وتنبه المجلة إلى أن السيسي كان بدوره موضع آمال كبيرة قبل نحو عقد من الزمن، لكن تلك الآمال خابت، مؤكدة أن الانقسام الحقيقي في المنطقة لم يعد أيديولوجيًا كما في الماضي، بل بات يتمثل في الفارق بين الأنظمة القادرة على تحقيق وعودها، وتلك التي تعجز عن ذلك.















