واشنطن بوست: الاغتيالات في إيران ترسخ التشدد وتُفشل رهانات واشنطن على التغيير

قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن حملة الاغتيالات في إيران التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل لم تُضعف النظام كما كان مأمولًا، بل أسهمت في ترسيخ بنية أكثر تشددًا داخل السلطة، مع تراجع فرص تحقيق أي اختراق دبلوماسي في المدى القريب.
وذكرت الصحيفة أن الضربات التي استهدفت مستويات عليا في القيادة، بما في ذلك المرشد الأعلى وعدد من أبرز قادة الحرس الثوري، أحدثت اضطرابًا غير مسبوق داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في طهران، إلا أن هذا الاضطراب لم يتحول إلى فرصة لإنتاج قيادة “أكثر عقلانية”، بل دفع نحو صعود عناصر أكثر تشددًا وخبرة قتالية.
وأكدت مصادر إقليمية وغربية أن النظام الإيراني المتبقي بات أكثر جرأة في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، خاصة عبر تهديد أمن الطاقة العالمي، ما أدى إلى تعميق الفجوة مع واشنطن بدل تقريب وجهات النظر.
يأتي ذلك في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بالتصعيد، حيث أعلن أن العمليات العسكرية قد تستمر لأسبوعين أو ثلاثة إضافية، مهددًا بضرب منشآت حيوية، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء والبنية التحتية النفطية، في حال فشل التوصل إلى اتفاق.
ورغم هذا التصعيد، يرى مسؤولون مطلعون على مسار المفاوضات أن فرص التوصل إلى تسوية لا تزال ضعيفة، في ظل تمسك إيران بسقف مطالب مرتفع يشمل تعويضات مالية، وفرض سيطرة رسمية على مضيق هرمز مع حق تحصيل رسوم عبور، وهو ما لم يكن مطروحًا سابقًا على طاولة التفاوض.
ويؤكد مسؤول أوروبي أن طهران نجحت في إيصال رسالة واضحة لدول الخليج والعالم بشأن هشاشة الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى رفع كلفة أي تسوية سياسية، وتحويل مضيق هرمز إلى محور رئيسي في المفاوضات.
وتشير التقييمات إلى أن الحرب، بدل أن تضعف إيران، منحتها أدوات إضافية للمناورة، مع صعوبة حقيقية في قياس التأثير الفعلي لحملة الاغتيالات على تماسك النظام من الخارج.
على مستوى القيادة، لوحظ تراجع ظهور المسؤولين الإيرانيين في العلن، خاصة بعد مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في ضربة استهدفته عقب مشاركته في فعالية رسمية بطهران، ما يعكس حالة الحذر الأمني داخل دوائر الحكم.
ورغم ذلك، واصلت إيران تنفيذ هجمات مضادة استهدفت مواقع عالية القيمة، شملت بنى تحتية للطاقة في الخليج، ومنشآت صناعية في إسرائيل، وقواعد عسكرية أمريكية، في مؤشر على استمرار فاعلية منظومة القيادة والسيطرة، رغم الضربات.
وتعتمد طهران في ذلك على استراتيجية “الدفاع الفسيفسائي”، القائمة على اللامركزية، والتي تسمح للوحدات بالعمل بشكل مستقل نسبيًا، ما يحدّ من تأثير استهداف القيادات العليا على الأداء العملياتي.
في المقابل، تراهن إدارة ترامب على أن استمرار الاغتيالات قد يدفع إيران إلى تقديم تنازلات، أو يؤدي إلى بروز قيادة مستعدة للتفاوض، وهو ما عبّر عنه مسؤول سابق بالقول إن الضغط المتزايد قد يجبر طهران في النهاية على القبول بصفقة.
لكن هذه القراءة تواجه انتقادات حادة، حيث يرى دبلوماسي إيراني أن هذا النهج يعكس سوء فهم لطبيعة النظام الإيراني، الذي يقوم على ثقافة “الشهادة”، ما يجعل اغتيال القادة عامل تعبئة لا عامل إضعاف.
وتدعم هذا التقييم الباحثة سوزان مالوني، التي تشير إلى أن النظام الإيراني أصبح “أكثر عسكرة” بعد الحرب، وأن القيادات الجديدة التي صعدت إلى مواقع القرار تتبنى مواقف أكثر تشددًا وعداءً للغرب.
وتلفت مالوني إلى أن النظام الإيراني يمتلك “احتياطيًا عميقًا من الكوادر”، ما يجعله غير معتمد على شخصيات فردية، بل على شبكة مؤسسية قادرة على تعويض الخسائر بسرعة، والاستمرار في العمل تحت الضغط.
وتُظهر أسماء القيادات الحالية، مثل محمد باقر قاليباف وأحمد وحيدي ومحسن رضائي، أنهم ينتمون إلى “جيل الحرب” الذي تشكّل خلال الحرب الإيرانية العراقية، وهو جيل يحمل عقيدة صلبة ويصعب دفعه نحو تسويات مع واشنطن.
ويرى الباحث أليكس فاتانكا أن هذه القيادات، بعد عقود داخل النظام، لن تتجه نحو التنازل، بل ستزداد تمسكًا بمواقفها، معتبرًا أن البقاء أصبح مصلحة مشتركة توحّد مختلف التيارات داخل السلطة.















