تقرير: انقسام خليجي بشأن الحرب مع إيران وسط دعوات لتشديد الضغط الأمريكي ومخاوف من اتساع الصراع

كشفت وكالة بلومبيرغ عن تباين في مواقف عدد من دول الخليج تجاه مسار الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت يتزايد فيه القلق من تداعيات الصراع على أمن المنطقة واستقرار اقتصاداتها، ولا سيما مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.

وبحسب تقرير نشرته الوكالة، فإن بعض المسؤولين الخليجيين يرون أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب ينبغي أن تذهب إلى ما هو أبعد من الضربات الجوية الحالية، عبر تصعيد العمليات العسكرية وربما اللجوء إلى خيار التدخل البري في أجزاء من إيران، باعتبار أن الضغوط الحالية لم تنجح في دفع طهران إلى تغيير موقفها أو التخلي عن سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز.

ونقلت بلومبيرغ عن أشخاص مطلعين، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، أن بعض المسؤولين يعتقدون أن السيطرة على جزيرة خرج، التي تعد المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، قد تشكل ورقة ضغط استراتيجية على طهران، معتبرين أن استمرار الوضع الراهن قد يقود إلى حرب طويلة منخفضة الوتيرة تستمر لأشهر، وتنعكس سلباً على الاستثمارات الأجنبية والسياحة في المنطقة.

في المقابل، أشار التقرير إلى وجود توجه مغاير داخل مجلس التعاون الخليجي، إذ تعارض دول، من بينها قطر، أي توسع في العمليات العسكرية، وتدعو إلى وقف فوري للتصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، خشية عودة المواجهة إلى مستويات العنف التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، عندما تبادلت إيران والولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويرى الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والدبلوماسي الأمريكي السابق ديفيد شينكر، أن عدداً من المسؤولين في المنطقة يتبنون مقاربة تقوم على “التصعيد من أجل خفض التصعيد”، معتبرين أن الضغط العسكري الإضافي قد يكون الوسيلة الوحيدة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات سواء في ملف مضيق هرمز أو البرنامج النووي.

وفي المقابل، أكد مسؤول أمريكي لبلومبيرغ أن إدارة ترامب تجري اتصالات مستمرة مع حلفائها الخليجيين منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن واشنطن ترى أن الهجمات الإيرانية على دول الجوار تؤكد خطورة السياسات الإيرانية، وأن الولايات المتحدة لا تعتزم السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي.

وتأتي هذه التطورات في وقت لمح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الصراع قد يستمر لفترة أطول، قائلاً إن الولايات المتحدة حققت “نجاحاً كبيراً”، لكنها “لن تغادر غداً”، في إشارة إلى استمرار الانخراط الأمريكي في العمليات العسكرية.

وأوضحت بلومبيرغ أن الحرب دفعت عدداً من الدول الخليجية إلى إعادة تقييم مستوى الحماية الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة، بعدما تعرضت منشآت ومصالح في المنطقة لهجمات متكررة، الأمر الذي دفع بعض العواصم الخليجية إلى بحث توسيع تعاونها الدفاعي مع دول أوروبية.

وفي الوقت ذاته، يواجه البيت الأبيض معضلة معقدة، إذ يرى مراقبون أن أي قرار بإرسال قوات برية أو محاولة السيطرة على جزيرة خرج قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية أكثر اتساعاً، تشمل استهداف القوات الأمريكية بصورة مباشرة، فضلاً عن احتمال ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد نتيجة اتساع رقعة المواجهة.

ويشير التقرير إلى أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز أثار مخاوف واسعة داخل دول الخليج، التي يعتمد جزء كبير من صادراتها النفطية على المرور عبر هذا الممر البحري، حيث أعرب مسؤولون عن تشاؤمهم بشأن إمكانية استعادة حركة الملاحة الطبيعية في المستقبل القريب.

وقال السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، مايكل راتني، إن دول الخليج تشعر بقلق متزايد، لكنها تحاول إدارة علاقتها مع إدارة ترامب بحذر، لأن أولويتها الأساسية تتمثل في استعادة تدفق صادرات النفط وعودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته.

ولفتت بلومبيرغ إلى أن الإمارات تعد من أكثر الدول الخليجية إصراراً على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، حيث واصلت، إلى جانب السعودية والكويت، تصدير النفط عبر المضيق رغم التهديدات الأمنية، بينما دعت أبوظبي الدول الأوروبية إلى الإسراع في تنفيذ مهمة بحرية لإزالة الألغام وتأمين الملاحة.

كما أكدت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان نقلته الوكالة، ضرورة الوقف الفوري للتصعيد، والعودة إلى المفاوضات، وضمان استمرار حرية الملاحة في مضيق هرمز دون انقطاع.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح التقرير أن الحرب ألقت بظلالها على خطط التنويع الاقتصادي التي تتبناها السعودية والإمارات وقطر، والتي تستهدف توسيع الاستثمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والسياحة والخدمات المالية، إذ يُعد الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لإنجاح هذه المشاريع.

وأشار التقرير إلى أن تعطل حركة التجارة وارتفاع تكاليف الشحن وإغلاق مضيق هرمز بصورة متكررة أدى إلى تراجع الصادرات النفطية وارتفاع الضغوط على الموازنات العامة في عدد من دول المنطقة.

كما تناول التقرير المخاوف الخليجية من أن يؤدي أي اتفاق جديد مع إيران إلى تخفيف العقوبات عنها والإفراج عن أموال مجمدة وإنشاء صندوق لإعادة التأهيل، في وقت يرى فيه بعض المسؤولين الخليجيين أن دولهم تكبدت خسائر مباشرة نتيجة الهجمات الإيرانية، ولا ينبغي أن تتحمل أعباء مالية إضافية.

ونقل التقرير عن مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، قوله إن دول الخليج تشعر بالإحباط، لكنها لا تملك القدرة على فرض وقف للحرب أو التأثير المباشر على قرارات واشنطن أو طهران، مشيراً إلى أن التوافق الخليجي الذي كان قائماً قبل أشهر حول أولوية الحلول الدبلوماسية بدأ يتراجع مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية.

وتعرضت عدة دول في المنطقة، وفق التقرير، لهجمات طالت منشآت حيوية ومرافق للطاقة، إضافة إلى استهداف ناقلات نفط في محيط مضيق هرمز، وهو ما زاد من حالة القلق الإقليمي بشأن مستقبل الأمن البحري واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى