شبكات التأثير الموجه: كيف تعاد صناعة “المؤثر الإماراتي المستقل” في الفضاء الغربي؟

خلال الأشهر الماضية، برز على منصات التواصل الاجتماعي وفي المنابر الأكاديمية الغربية عدد من المعلقين الإماراتيين الشباب، يقدّمون أنفسهم بوصفهم أصواتًا عربية مستقلة ومعتدلة، تتحدث عن الأمن الإقليمي، والإسلام السياسي، والهجرة، والسودان، والتطرف، بلغة تبدو متناغمة مع أولويات الخطاب الغربي.
يظهر هؤلاء في مقاطع فيديو مصقولة، ويشاركون في فعاليات داخل جامعات مرموقة مثل جورجتاون وكامبريدج، وينشرون مقالات رأي في منصات إعلامية تُقدَّم على أنها مستقلة. لكن خلف هذا الحضور اللافت، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا الظهور، وتوقيته، والرسائل المتطابقة التي يحملها.
تنسيق لا يبدو عفويًا
رغم تقديم هؤلاء المعلقين أنفسهم كأفراد مستقلين، إلا أن المتابعة الدقيقة لنشاطهم الرقمي والإعلامي تكشف نمطًا متكررًا يصعب تجاهله.
حساباتهم على منصة «إكس» أُنشئت في توقيتات متقاربة، ومواقع «إخبارية» عديدة بدأت العمل خلال فترة زمنية قصيرة، كما أن إنتاجهم المرئي يتم غالبًا في استوديوهات متشابهة، باستخدام ديكورات متطابقة.
ولا يقتصر التشابه على الشكل، بل يمتد إلى المضمون؛ إذ تتكرر الرسائل ذاتها عبر مختلف المنصات، ويُعاد الترويج للمحتوى بين أفراد الشبكة نفسها، مع حضور مشترك في المؤتمرات والفعاليات السياسية والأكاديمية في أوروبا والولايات المتحدة.
سردية واحدة تتكرر
عند تحليل الخطاب الذي يقدمه هؤلاء المؤثرون، يبرز محور مركزي يكاد يهيمن على مجمل إنتاجهم: جماعة الإخوان المسلمين. تُستخدم الجماعة كإطار تفسيري شامل، تُربط به قضايا متعددة ومتباعدة، من النزاعات السياسية في السودان، إلى قضايا البيئة، وصولًا إلى الإرهاب والهجرة في الغرب.
في بعض الحالات، يُقدَّم هذا الخطاب داخل مؤسسات أكاديمية غربية، حيث تُطرح روايات سياسية مثيرة للجدل، تتقاطع مع المواقف الرسمية لدولة الإمارات، والرؤية الأمنية الإسرائيلية، وخطاب اليمين الأوروبي المتشدد، دون تقديم أدلة مستقلة أو نقاش نقدي متوازن.
مواقع إخبارية بلا غرف تحرير
بالتوازي مع صعود هؤلاء المؤثرين، ظهرت شبكة من المواقع الإلكترونية التي تحاكي شكل الصحافة الاحترافية، لكنها تفتقر إلى معايير العمل الصحفي المعروفة. هذه المنصات تنشر مقالات رأي وتحقيقات مثيرة، غالبًا دون مصادر واضحة، ويُشتبه في أن جزءًا كبيرًا من محتواها يُنتج باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
في أكثر من حالة، نُشرت ادعاءات خطيرة على أنها «حصريات»، ثم جرى نفيها لاحقًا من وسائل إعلام محلية أو دولية، دون أن يمنع ذلك استمرار تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن اكتسبت غطاءً شكليًا من خلال نشرها في «موقع إخباري».
هذه الآلية تُستخدم، وفق مراقبين، في تبييض الروايات السياسية ومنحها مظهرًا من الشرعية، حتى وإن ثبت عدم دقتها.
كتب تُنتج بسرعة لخلق المصداقية
خلال فترة زمنية قصيرة، نشر عدد من هؤلاء المعلقين كتبًا عبر دار نشر واحدة، بأسلوب متشابه، وبمحتوى يهاجم الإسلام السياسي بشكل مباشر. وتشير مراجعات النصوص إلى غياب شبه كامل للمراجع الأصلية، واعتماد أساليب لغوية نمطية، ما يثير تساؤلات حول طبيعة إنتاج هذه الكتب ودورها الحقيقي.
وتُستخدم هذه المؤلفات لاحقًا لتعزيز صورة أصحابها كمفكرين وباحثين، خاصة أمام محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تُدرجهم تلقائيًا ضمن فئة «الكتّاب المنشورين».
منظومة نفوذ لا أفراد مستقلين
عند جمع هذه الخيوط معًا، تتضح ملامح منظومة إعلامية متكاملة، تقوم على مؤثرين، ومنصات رقمية، ومحتوى مدعوم تقنيًا، وظهور منظم في المحافل الغربية، بهدف إنتاج خطاب يبدو مستقلًا، لكنه في جوهره منسجم بشكل لافت مع روايات سياسية محددة.
ولا تزال الأسئلة الأساسية دون إجابة: من يموّل هذا النشاط؟ من ينسق الرسائل؟ وكيف تُفتح الأبواب أمام هذه الأصوات داخل مؤسسات أكاديمية وإعلامية غربية مرموقة؟
إلى أن تُطرح هذه الأسئلة بجدية، سيظل هذا النمط من التأثير يظهر على أنه تعبير عن آراء فردية، بينما هو، في الواقع، نموذج حديث لصناعة النفوذ الإعلامي في عصر المنصات والذكاء الاصطناعي.
المصدر: منقول بتصرف عن مقال للكاتب Marc Owen Jones – موقع Middle East Eye















