اقتصاد الحرب في السودان: كيف تتحول الموارد والجوع والتهريب إلى وقود لصراع مفتوح

في الثامن من ديسمبر، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على حقل هجليج، أكبر حقول النفط في السودان، ما أدى إلى شلل منشأة المعالجة الرئيسة التي تعتمد عليها صادرات جنوب السودان، والتي تمثل العمود الفقري لإيرادات جوبا. يقع الحقل في غرب كردفان، قرب الحدود الجنوبية، وهي منطقة ظلت مسرحًا لتنافس عسكري محتدم على الأرض والموارد.

وكانت القوات المسلحة السودانية قد اتهمت في وقت سابق قوات الدعم السريع بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة على الموقع ذاته، تسببت في تعطيلات متكررة للإنتاج، كان آخرها في أغسطس/آب الماضي.

وفي سياق متصل، وقبل أيام من ذلك، أدان المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، هجومًا استهدف شاحنة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي قرب حمرات الشيخ في شمال كردفان، ضمن قافلة كانت تنقل مساعدات للنازحين في منطقة الطويلة بشمال دارفور.

أسفر الهجوم عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة آخرين، وكان السادس من نوعه الذي يطال موظفي أو أصول برنامج الأغذية العالمي في السودان خلال عام واحد.

هذه الوقائع لا تمثل حوادث منفصلة، بل تعكس نمطًا متكررًا لعنف يرتبط مباشرة بطبيعة الصراع السياسي والاقتصادي في البلاد، ويضاعف المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني.

حرب تُدار بالاقتصاد بقدر ما تُدار بالسلاح

إن السيطرة على منشآت مدرّة للدخل، مثل حقل هجليج، بالتوازي مع استهداف أو تعطيل مسارات المساعدات الإنسانية، يشكلان مسارين متكاملين في حرب واحدة: الأول يؤمّن التمويل اللازم لاستمرار القتال، والثاني يستخدم الحرمان أداةً لإخضاع السكان وتهجيرهم. وبهذا المعنى، يُعاد تشكيل ميزان القوة عمدًا عبر التحكم في الموارد وفي تدفقات الإغاثة، بما يسمح للصراع بالاستمرار رغم أي محاولات لفرض وقف إطلاق النار.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، تراجع الاهتمام الدولي بالسودان، بينما يواجه أكثر من 12.4 مليون نازح واقعًا تزداد فيه قسوة العنف بفعل تفكيك الاقتصاد الوطني. فإلى جانب القصف والمعارك، تُخاض حرب موازية عبر التضخم المفرط، ونهب الموارد، وخنق سبل عيش المدنيين. وقد تحولت البلاد إلى نموذج لاقتصاد استغلالي يربح فيه أمراء الحرب من المجاعة، في ظل تراخٍ دولي يسمح باستمرار دائرة العنف المغلقة.

انهيار شامل بالأرقام

منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، فقد الجنيه السوداني أكثر من 233% من قيمته، فيما تجاوز معدل التضخم 113% بحلول منتصف عام 2025. ويواجه نحو 24.6 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وهو أعلى رقم مسجل عالميًا.

غير أن هذه المؤشرات لا تروي القصة كاملة. فالحرب في السودان لا يمكن فهمها من زاوية عسكرية فقط؛ إنها صراع تتحكم فيه شبكات تهريب الذهب بقدر ما تؤثر فيه قنوات الدبلوماسية. انهار النظام المصرفي في مناطق واسعة بعد نهب الفروع وإفراغ الخزائن، وحلّت نقاط التفتيش المسلحة محل المؤسسات المالية، بينما اضطرت عائلات في دارفور إلى مقايضة ممتلكاتها بالغذاء.

تشير تحليلات إنسانية إلى أن كلفة سلة الغذاء الأساسية ارتفعت بأكثر من 300% في بعض المناطق منذ بدء الحرب. كما أدى الانهيار الحاد للعملة إلى انتشار التعامل بالعملات الأجنبية، مكرسًا اقتصادًا مزدوجًا لا يستطيع الصمود فيه سوى من يملك الوصول إلى النقد الصعب أو الحماية العسكرية.

التحكم في الموارد: ذهب وزراعة وصمغ عربي

تفاقم التضخم نتيجة سياسات حرب مقصودة، شملت تمويل العمليات العسكرية، وتخريب القطاع الزراعي، والاستيلاء على موارد استراتيجية مثل الذهب والصمغ العربي. ففي مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، تُفرض رسوم مرتفعة على خدمات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، بينما تحتكر القوات المسلحة السودانية واردات الوقود. ويلجأ الطرفان إلى أدوات نقدية غير رسمية لتمويل نشاطهما.

وكان السودان يُعرف تاريخيًا بسلة غذاء إقليمية، غير أن الحرب دمّرت هذا الدور. فقد تضررت مئات المنشآت الزراعية في الخرطوم، وتوقفت غالبية شبكات الري في دارفور، ما فاقم نقص الغذاء وعمّق الاعتماد على المساعدات.

أما الذهب، ثالث أكبر احتياطي في أفريقيا، فأصبح المحرك المالي الأهم للصراع. تُهرّب نسبة كبيرة من الإنتاج سنويًا عبر دول الجوار، محققة مليارات الدولارات. تسيطر قوات الدعم السريع على معظم مناجم دارفور التقليدية، في حين تُوجّه عائدات التعدين الرسمية في مناطق أخرى نحو شراء السلاح. وعلى الرغم من تقارير أممية تؤكد وصول الذهب المهرب إلى الأسواق العالمية، لم تُتخذ إجراءات عقابية فعالة، ما يكشف عن تواطؤ دولي ضمني.

ولا يقل الصمغ العربي أهمية، إذ استُخدم هو الآخر لتمويل الحرب. فمع سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق إنتاج رئيسية في كردفان ودارفور، فُرضت جبايات غير رسمية، ونُهبت المخازن، وهُربت الشحنات عبر الحدود. وقدرت تقارير أممية عائدات الصمغ المنهوب بملايين الدولارات خلال فترات قصيرة، بينما تواجه الشركات العالمية صعوبة أخلاقية في تتبع سلاسل التوريد التي تختلط فيها التجارة المشروعة بالموارد المنهوبة.

اقتصاد المساعدات المنهوبة

مع تعطل التجارة الرسمية، نشأ اقتصاد قائم على نهب المساعدات وفرض الضرائب على البقاء. فقد تعرضت قوافل الإغاثة ومرافق إنسانية لعمليات سطو متكررة، وأعيد بيع المواد الغذائية في أسواق تخضع لسيطرة جماعات مسلحة بأسعار باهظة. وفي المقابل، وُجهت اتهامات للقوات المسلحة بعرقلة وصول المساعدات إلى مناطق خارج نفوذها.

وتجسّد انهيار القطاع الصحي في سوق سوداء للخدمات الطبية، حيث أصبحت الأدوية المنقذة للحياة نادرة وباهظة الثمن. وأُغلقت غالبية المستشفيات في مناطق النزاع أو باتت تعمل بحدودها الدنيا، فيما ساهمت الهجمات على البنية التحتية للمياه في تفشي الأوبئة.

هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي مزّق النسيج المجتمعي وامتدت آثاره إلى دول الجوار. فقد فرّ ملايين السودانيين إلى تشاد ومصر وجنوب السودان، مثقلين أنظمة صحية هشة أصلًا، وسط معدلات مرتفعة من سوء التغذية بين الأطفال.

حسابات السلام المستحيلة دون تفكيك اقتصاد الحرب

بات تهريب الذهب وتمويل الشبكات غير المشروعة يغذي صراعات إقليمية أوسع، فيما تظل الاستجابة الدولية دون المستوى المطلوب. لم يُموّل النداء الإنساني الأممي لعام 2025 إلا بجزء يسير، في وقت خفّض فيه المانحون الرئيسيون موازنات المساعدات بشكل ملحوظ.

إن أي وقف لإطلاق النار، ما لم يترافق مع تفكيك البنية المالية التي تُبقي الحرب قائمة، سيظل هشًا. ويتطلب المسار الجاد فرض عقوبات موجهة على الوسطاء، وتتبع تدفقات الذهب، ومصادرة الأصول المرتبطة بتمويل القتال، ودعم مبادرات غذائية محلية تمثل خط الدفاع الأخير ضد المجاعة.

كما تبرز الحاجة إلى تدقيقات جنائية شاملة في اقتصاد التربح من الحرب، وإشراك المدنيين بصورة حقيقية في مسارات العدالة والحكم، لا كعنصر رمزي في مفاوضات السلام. فحرب السودان لن تنتهي باتفاقات شكلية، بل عندما تُواجه الشبكات الاقتصادية التي تغذيها.

إن الذهب المهرب، والصمغ العربي المنهوب، والمساعدات المُسيّسة تموّل عنفًا يمتد أثره من الساحل الأفريقي إلى البحر الأحمر. وفي عصر تتداخل فيه الحروب مع التمويل الخفي، يصبح تحقيق السلام الدائم مرهونًا بالمحاسبة الاقتصادية. تجاهل ذلك ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إدامة حرب بلا أفق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى