محمد بن سلمان يعيد رسم خريطة تحالفات السعودية خارج إطار “اتفاقيات أبراهام”

بحسب مقال رأي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية للكاتبين ليرون روز وأميت شابي، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعيد بهدوء موازنة تموضع المملكة الإقليمي، مبتعدًا تدريجيًا عن الكتلة الإسرائيلية –الأميركية–الإماراتية، ومتجهًا في المقابل نحو تعميق علاقاته مع تركيا وقطر، بدل الانخراط في إطار “اتفاقيات أبراهام”.

ويرى الكاتبان أن هذا التحول لا يندرج في إطار مناورة تكتيكية مؤقتة، بل يمثل رهانًا استراتيجيًا يقوم على افتراض أن النظام الإيراني سيصمد، وأن التوازنات الإقليمية لن تشهد انقلابًا جذريًا في المدى المنظور.

وبحسب هذا المنطق، يسعى محمد بن سلمان إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المرونة السياسية، غير أن فشل هذا الرهان قد يضع السعودية في معسكر قوى قد تصبح مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي مستقبلًا.

الاستفادة دون الانضمام

ويشير المقال إلى أن الرياض استفادت لسنوات من مخرجات “اتفاقيات أبراهام” دون الانضمام إليها رسميًا، إذ تشكّل محور أمني متماسك ضمّ إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات، وأسهم في احتواء إيران وإعادة تشكيل منظومة الردع الإقليمي.

وخلال هذه المرحلة، حافظت السعودية على موقع “الشريك غير المعلن”، مستفيدة من المكاسب الأمنية مع الاحتفاظ بهامش مناورة سياسي واسع.

لكن الكاتبين يؤكدان أن هذا الموقع بات يتآكل مع تحوّل ذلك المحور إلى كتلة استراتيجية متكاملة لم تعد مجرد ترتيبات ظرفية.

كتلة إسرائيلية –أميركية–إماراتية
ووفق “جيروزاليم بوست”، فإن التعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات، تجاوز مستوى التنسيق المؤقت، ليشمل الدفاع الجوي المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، والتكامل الاقتصادي.

وفي هذا السياق، رسخت أبوظبي موقعها كشريك عربي أساسي لواشنطن، فيما باتت إسرائيل العمود الفقري العملياتي لهذا الهيكل الأمني، في الجوانب الدفاعية والتكنولوجية.

ويلاحظ الكاتبان أن هذا الاندماج المتسارع يجري من دون أن تكون السعودية في قلبه، ما يدفع الرياض إلى البحث عن بدائل استراتيجية.

التحوط عبر تركيا وقطر
وبحسب المقال، اختار محمد بن سلمان سياسة “التحوط الخارجي” عبر الاقتراب من تركيا وقطر، وهما دولتان طالما اعتُبرتا منافستين للقيادة السعودية في العالم السني. فتركيا توفر نفوذًا عسكريًا وطموحًا إقليميًا متناميًا، فيما تمنح قطر ثقلاً مالياً وإعلامياً وقدرة على التأثير في شبكات الإسلام السياسي.

ويمنح هذا التقارب، وفق الكاتبين، الرياض أدوات موازنة إضافية في لحظة إقليمية تتراجع فيها اليقينيات التقليدية.

وينتقد المقال ما يصفه بـ”سوء تقدير” ديناميات التصعيد الإقليمي، معتبرًا أن افتراض استمرار ضبط النفس الأميركي–الإسرائيلي تجاه إيران أثبت فشله سابقًا.

ويشير إلى أن اللجوء إلى العمل العسكري جاء سريعًا عندما تعثرت الدبلوماسية، على عكس ما روّج له كثير من المحللين الغربيين.

ويرى الكاتبان أن الرهان السعودي على استمرارية هذا النمط من ضبط النفس قد يعرض المملكة لمفاجآت استراتيجية، إذا ما وقع التصعيد في لحظة يعتقد فيها الجميع أنه مستبعد.

الاعتبارات الداخلية وضغوط الشرعية

ويربط المقال بين التحول الخارجي والقيود الداخلية، موضحًا أن مشاريع التحديث الكبرى، مثل “نيوم”، فقدت جزءًا من زخمها، في ظل ضغوط اقتصادية وتراجع حماس المستثمرين.

كما يشير إلى أن القاعدة الدينية المحافظة لا تزال فاعلًا مهمًا، ما يجعل التطبيع العلني مع إسرائيل والانخراط الكامل في الأطر الأمنية الغربية مكلفًا سياسيًا داخليًا.

ومن هذا المنطلق، يرى الكاتبان أن التقارب مع تركيا وقطر يمنح محمد بن سلمان غطاءً إضافيًا على مستوى “الشرعية السنية”، لكنه يبقى حلًا قصير الأمد أمام تحديات استراتيجية أعمق.

ويحذر المقال من أن ضعف إيران أو سقوطها المحتمل لن يقود إلى استقرار تلقائي، بل إلى إعادة ترتيب شاملة للإقليم، قد تتصدر فيها تركيا وقطر المشهد، أحيانًا على حساب المصالح السعودية. وفي المقابل، يواصل المحور الإسرائيلي–الأميركي–الإماراتي–الهندي ترسيخ نفسه بسرعة وبدرجة متزايدة من الاستقلال عن المشاركة السعودية.

ويخلص الكاتبان إلى أن الخطر لا يكمن في قراءة السعودية الخاطئة لواقع اليوم، بل في ربط استراتيجيتها بافتراضات قد لا يصمد أمامها إقليم شديد التقلب، حيث نادرًا ما يكافئ التاريخ الرهانات الخطية أو الاستقرار قصير الأجل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى