مراكز البيانات في الخليج تتحول إلى أهداف استراتيجية للصواريخ والطائرات المسيّرة

تتحول مراكز البيانات حول العالم، خاصة في منطقة الخليج، إلى أهداف مباشرة في الحروب الحديثة، مع تصاعد دور الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية في إدارة الاقتصاد والأمن، ما يفتح جبهة جديدة للصراع تتجاوز ميادين القتال التقليدية.
وقد أصبحت هذه المراكز بنية تحتية حيوية تمثل شريان الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تدعم الأنظمة المالية، وشبكات الاتصالات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى استثمارات بمليارات الدولارات.
وتبرز أهمية هذه المراكز في كونها تمثل نقطة ضعف استراتيجية، إذ يمكن استهدافها بسهولة نسبية مقارنة بأهميتها، ما يجعلها أهدافاً مغرية لأي طرف يسعى لإلحاق ضرر واسع وسريع بخصمه.
في هذا السياق، كشفت تقارير عن تعرض عدد من مراكز البيانات في الإمارات والبحرين لهجمات إيرانية، في إطار رد على عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية، في سابقة تُعد الأولى من نوعها من حيث استهداف البنية الرقمية بشكل مباشر.
وأشارت وسائل إعلام رسمية إلى أن الهجمات طالت بنية تحتية مرتبطة بشركات تكنولوجية كبرى، من بينها شركات أمريكية عملاقة، ما يعكس انتقال الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب مفاصل الاقتصاد الرقمي العالمي.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية “البيانات” كسلاح في الحروب الحديثة، حيث يمكن لتعطيل مراكز البيانات أن يشل قطاعات كاملة، بدءاً من البنوك وصولاً إلى الخدمات الحكومية والتطبيقات اليومية.
ويؤكد خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في هشاشة هذه المنشآت من الناحية المادية، إذ رغم تحصينها ضد الهجمات الإلكترونية، فإنها تبقى عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة، التي يمكن أن تدمر منشأة بمليارات الدولارات بتكلفة منخفضة نسبياً.
في هذا الإطار، يطرح خبراء تساؤلات حادة حول جدوى الاستثمار الضخم في مراكز بيانات داخل مناطق متوترة، خاصة مع تصاعد التهديدات الإقليمية، ما يضع الشركات العالمية أمام معادلة صعبة بين التوسع والنزاع.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إنشاء مركز بيانات متقدم قد تصل إلى 20 مليار دولار، ما يجعل استهدافه ضربة اقتصادية قاسية، ليس فقط للدولة المضيفة، بل أيضاً للشركات العالمية المرتبطة به.
ويحذر خبراء من أن هذا النوع من الهجمات يحمل بعداً “رمزياً واستراتيجياً”، إذ يستهدف قلب العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، التي تقوم بشكل متزايد على الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما يعكس استهداف هذه المنشآت رسالة واضحة مفادها أن أي تصعيد عسكري ستكون له كلفة اقتصادية هائلة، وأن البنية التحتية المدنية لم تعد بمنأى عن الصراع.
في المقابل، تتزايد المخاوف من أن تمتد هذه التهديدات إلى دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، حيث تنتشر آلاف مراكز البيانات، ما يثير تساؤلات حول قدرة الأنظمة الدفاعية على حمايتها في حال نشوب صراع واسع.
وتؤكد تقارير أن البنتاغون ووكالات الأمن القومي لا تملك مرونة كافية لتعويض خسارة قدرات رقمية كبيرة في وقت الحرب، ما يجعل أي ضربة ناجحة لمراكز البيانات ذات تأثير طويل الأمد.
ولا يقتصر التهديد على الهجمات العسكرية، إذ تُعد هذه المراكز أيضاً أهدافاً رئيسية للهجمات السيبرانية، خاصة من قبل جهات مدعومة من دول كبرى، ما يضاعف من حجم المخاطر التي تواجهها.
وفي ضوء هذه التحديات، بدأ الحديث يتصاعد حول حلول غير تقليدية، من بينها إنشاء مراكز بيانات في الفضاء، لتكون بعيدة عن التهديدات الأرضية، في سيناريو كان يبدو خيالياً قبل سنوات، لكنه بات يُطرح بجدية متزايدة.
ويشير خبراء إلى أن التأخر في مناقشة آليات حماية هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى كارثة مستقبلية، خاصة مع تسارع الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
وتكشف هذه التطورات أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتدت إلى السيطرة على “العقل الرقمي” للعالم، حيث أصبحت مراكز البيانات هدفاً استراتيجياً يعادل في أهميته القواعد العسكرية، إن لم يتفوق عليها.















