مودي يقود التحول: من دعم فلسطين إلى تحالف استراتيجي مع إسرائيل

شهدت السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل تحولاً جذرياً خلال العقود الماضية، انتقلت فيه نيودلهي من موقع الداعم البارز للقضية الفلسطينية إلى شريك استراتيجي وثيق لتل أبيب.
وقد تجسّد هذا التحول بوضوح مع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل عام 2017، وهي الأولى من نوعها لرئيس وزراء هندي، ما عكس مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بعد عقود من الحذر السياسي.
في بداياتها، اتخذت الهند موقفاً معارضاً لقيام دولة إسرائيل؛ إذ صوتت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، كما عارضت قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة عام 1949.
ورغم اعترافها القانوني بإسرائيل عام 1950، فإنها امتنعت عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، مفضلة الحفاظ على توازن بين الاعتراف الرسمي ودعم الحقوق الفلسطينية.
وخلال الخمسينيات، افتتحت إسرائيل مكتباً تجارياً وقنصلياً في الهند، إلا أن العلاقات بقيت محدودة ومحصورة في المجالات التقنية والاقتصادية. في المقابل، عززت نيودلهي حضورها السياسي كأحد أبرز الداعمين غير العرب للفلسطينيين، حيث اعترفت بـ منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني عام 1974، وسمحت لها بفتح مكتب رسمي في العاصمة الهندية بعد عام واحد. كما كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين عقب إعلانها عام 1988.
ورغم هذا الدعم العلني، شهدت السبعينيات بداية تعاون عسكري غير معلن بين الهند وإسرائيل، خاصة خلال تصاعد التوتر مع باكستان عام 1971، حيث حصلت نيودلهي على معدات عسكرية إسرائيلية عبر قنوات غير مباشرة.
وتفيد روايات تاريخية بأن رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مئير عرضت توسيع التعاون مقابل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، إلا أن الهند لم تستجب لذلك في تلك المرحلة. كما طُرحت في مطلع الثمانينيات فكرة تنفيذ عملية مشتركة تستهدف البرنامج النووي الباكستاني، لكنها لم تتحقق.
أدى انتهاء الحرب الباردة إلى إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية الهندية، خاصة مع توجهها نحو تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل عام 1992، فاتحة الباب أمام تعاون واسع في مجالات الأمن والتكنولوجيا والدفاع.
وخلال حرب كارجيل عام 1999، قدمت إسرائيل دعماً عسكرياً مهماً للهند في مواجهة القوات الباكستانية والمسلحين في إقليم كشمير، ما رسّخ الثقة بين الجانبين. ومنذ مطلع الألفية الجديدة، أصبحت الهند أحد أكبر مستوردي السلاح والتقنيات الدفاعية الإسرائيلية.
ومع وصول مودي إلى السلطة عام 2014، اكتسبت العلاقات بُعداً استراتيجياً أوضح، دون تخلي الهند الكامل عن مواقفها التقليدية المؤيدة للفلسطينيين في المحافل الدولية.
ويشير محللون إلى أن الخلفية الأيديولوجية لحزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي لعبت دوراً في هذا التقارب، إذ ينظر جزء من التيار القومي إلى إسرائيل بوصفها نموذجاً لدولة قوية تواجه تهديدات أمنية مستمرة.
هذا التحول لم يقتصر على السياسات فحسب، بل شمل أيضاً الخطاب السياسي، حيث تراجع التركيز على الشعارات المناهضة للاستعمار التي ميّزت السياسة الهندية سابقاً، مقابل إبراز المصالح الاستراتيجية والتعاون الأمني والتكنولوجي.
وهكذا، انتقلت العلاقة بين نيودلهي وتل أبيب من اتصال محدود وحذر إلى شراكة متعددة الأبعاد تعكس تغير موازين القوى والمصالح في النظام الدولي المعاصر.















