السعودية تلجأ إلى السوق الفورية لإنعاش صادرات النفط بعد الحرب على إيران

بدأت المملكة العربية السعودية اتخاذ إجراءات استثنائية لإنعاش صادرات النفط بعد التداعيات التي خلفتها الحرب على إيران، عبر اللجوء إلى بيع ملايين البراميل من النفط الخام في السوق الفورية، في خطوة نادرة تعكس استمرار التحديات التي تواجه أكبر مصدر للنفط في العالم في استعادة تدفقات التصدير إلى مستوياتها الطبيعية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ، باعت شركة أرامكو السعودية المملوكة للدولة ما لا يقل عن ستة ملايين برميل من النفط الخام عبر ثلاث ناقلات عملاقة متجهة إلى أسواق آسيوية، شملت كوريا الجنوبية واليابان والصين، وذلك وفقاً لمتعاملين مطلعين على تفاصيل الصفقات، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لعدم الإعلان الرسمي عنها حتى الآن.
ولم تصدر أرامكو أي تعليق على التقرير، إلا أن الخطوة أثارت اهتماماً واسعاً في أسواق الطاقة، باعتبارها خروجاً عن السياسة التسويقية التقليدية للمملكة، التي تعتمد بصورة رئيسية على عقود التوريد طويلة الأجل مع كبار عملائها، بينما يعد البيع في السوق الفورية أسلوباً أكثر شيوعاً لدى المنتجين الأصغر أو في حالات الاضطرابات الاستثنائية.
ويرى متعاملون أن لجوء السعودية إلى هذا الخيار يعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب الأخيرة على حركة صادرات النفط الخليجية، وما نتج عنها من اضطرابات في عمليات الشحن والإمداد، دفعت المنتجين إلى البحث عن آليات أكثر مرونة لتسويق إنتاجهم وتسريع إعادة تدفق الخام إلى الأسواق العالمية.
وبدأت دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط، وفي مقدمتها السعودية، زيادة إنتاجها تدريجياً بعد انتهاء المواجهات العسكرية، مستفيدة أولاً من نجاحها في إخراج بعض الشحنات عبر مضيق هرمز رغم الإغلاق الجزئي الذي شهده خلال الحرب، ثم من الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي سمح باستئناف حركة الملاحة بصورة أوسع، وإن ظل الاتفاق يوصف بأنه هش وقابل للاهتزاز.
وأظهرت بيانات تتبع الناقلات أن صادرات النفط الخليجية استعادت ما لا يقل عن 75 في المئة من مستوياتها التي كانت قبل اندلاع الحرب، بدعم من استئناف عمليات التحميل في ميناء رأس تنورة، أكبر موانئ تصدير النفط التابعة لأرامكو على الخليج العربي.
كما سجلت صادرات النفط السعودية خلال شهر يونيو ارتفاعاً إلى نحو 4.45 ملايين برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي، إلا أنها لا تزال أقل من معدلات التصدير التي كانت تحققها المملكة قبل الأزمة، ما يشير إلى أن عملية التعافي لم تكتمل بعد.
وأدى تسارع عودة الإمدادات إلى الأسواق العالمية إلى زيادة الضغوط على أسعار النفط، حيث تراجع سعر خام برنت إلى نحو 72 دولاراً للبرميل، مع ارتفاع المعروض وانحسار المخاوف المتعلقة بانقطاع الإمدادات من منطقة الخليج، التي تعد المصدر الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.
وتشير معلومات المتعاملين إلى أن الشحنات التي باعتها أرامكو في السوق الفورية لا تخرج بالضرورة عن التزاماتها التعاقدية مع العملاء، إذ يمكن احتسابها ضمن الكميات السنوية المتفق عليها، لكنها تُباع وفق ترتيبات أكثر مرونة من العقود التقليدية، بما يسمح بتسريع عمليات التسليم والاستجابة للمتغيرات التي فرضتها الحرب.
وأوضح المتعاملون أن بعض الشحنات المتجهة إلى آسيا عُرضت وفق نظام التسليم الشامل، الذي تتحمل فيه أرامكو مسؤولية نقل النفط حتى وصوله إلى المشتري، في حين جرى تسعيرها بالاستناد إلى خامي دبي وعُمان المرجعيين، وهما المؤشران الرئيسيان لتسعير النفط المصدر إلى الأسواق الآسيوية.
ولم تكن السعودية وحدها التي سعت إلى إعادة تنشيط صادراتها النفطية، إذ واصلت ناقلات النفط عبور مضيق هرمز بعد إعادة فتحه، رغم استمرار حالة الحذر لدى شركات الشحن نتيجة المخاطر الأمنية التي خلفتها الحرب.
وفي هذا السياق، برزت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» كواحدة من أكثر الشركات نشاطاً في السوق الفورية، حيث باعت عشرات الملايين من البراميل عبر مناقصات مختلفة، كما اقترحت هذا الأسبوع ربط أسعارها الرسمية بخام دبي المرجعي، في خطوة تهدف إلى تعزيز تنافسية صادراتها في الأسواق الآسيوية.
أما العراق، فقد نجح في تصدير جزء كبير من الكميات التي كانت عالقة داخل الخليج خلال فترة الحرب، لكنه لا يزال يواجه تحديات لوجستية تتعلق بتوفير عدد كافٍ من ناقلات النفط لنقل جميع شحناته، ما يحد من سرعة عودة صادراته إلى مستوياتها الطبيعية.
ويعكس التحرك السعودي، بحسب مراقبين، استمرار مرحلة إعادة ترتيب سوق النفط بعد واحدة من أكبر الأزمات التي شهدها القطاع في المنطقة، حيث يسعى المنتجون إلى استعادة حصصهم السوقية وتعويض الخسائر التي نتجت عن اضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق بعض الممرات البحرية الحيوية.
كما تشير التطورات إلى أن أسواق الطاقة دخلت مرحلة جديدة تتسم بزيادة المرونة في سياسات التسويق والتصدير، مع استعداد المنتجين لاستخدام أدوات غير تقليدية للحفاظ على عملائهم واستعادة تدفقات الصادرات، في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية مراقبة تطورات الأوضاع الأمنية والسياسية في الخليج، لما لها من تأثير مباشر على استقرار إمدادات النفط والأسعار العالمية.















