لماذا لم تقفز أسعار النفط إلى 100 دولار رغم الضربات الإيرانية؟

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ منذ اندلاع الهجمات المتبادلة في المنطقة، لكن القفزة بقيت دون مستوى 100 دولار للبرميل، وهو السقف الذي يرى كثير من مراقبي السوق أنه ممكن في ظل صراع إقليمي متنام وغير متوقع.
ويتم تداول خام برنت حاليًا عند نحو 81 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 11 في المئة منذ إعادة فتح الأسواق مطلع الأسبوع. وكان السعر قد لامس 85 دولارًا، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2024، قبل أن يتراجع.
ورغم أن هذه التحركات تُعد حادة نسبيًا، فإنها لا تقترب من القفزات التاريخية التي شهدتها الأسواق في أزمات سابقة.
ويرى المحلل المخضرم بوب ماكنالي، رئيس مجموعة رابيدان للطاقة، أن هناك فجوة بين مستوى المخاطر الفعلي وتسعير السوق.
ويشير إلى ما يسميه تأثير الراعي الكاذب، في إشارة إلى تكرار أزمات جيوسياسية خلال السنوات الماضية لم تؤدِ في النهاية إلى اضطرابات واسعة في إمدادات النفط.
ويستشهد بقصف الولايات المتحدة لمواقع نووية إيرانية في صيف العام الماضي، وكذلك الغزو الروسي لأوكرانيا، اللذين أثارا في البداية مخاوف كبيرة، لكن تدفقات النفط استمرت في نهاية المطاف.
وفي مذكرة حديثة، اعتبرت شركة آر بي سي كابيتال ماركتس أن أسعار النفط في المرحلة الحالية تمثل مؤشرًا متأخرًا لا مؤشرًا استباقيًا لمخاطر صدمة العرض المحتملة في حال اتسع النزاع.
بعبارة أخرى، السوق لا يسعّر بعد أسوأ السيناريوهات، بل ينتظر دلائل ملموسة على تعطل فعلي للإمدادات.
ورغم ذلك، تتزايد مؤشرات الضغط على البنية التحتية للطاقة. فقد انخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، بشكل ملحوظ. كما توسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت طاقة رئيسية.
وأفادت وكالة الأنباء السعودية الرسمية بأن حطام طائرة مسيّرة تم اعتراضها ألحق أضرارًا بمصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر منشآت التكرير في المملكة العربية السعودية.
كذلك أعلنت شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال مؤقتًا في موقع رأس لفان بسبب هجمات عسكرية.
ورغم خطورة هذه التطورات، يرى ماكنالي أن السوق لا يزال يراهن على استمرار تدفق النفط، مستندًا إلى قناعة واسعة بأن الولايات المتحدة لن تسمح بإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة.
ويعتقد أن هذا الافتراض يهدئ رد الفعل السعري، حتى مع تصاعد المخاطر. لكنه يحذر من أن استمرار تعطل الملاحة قد يدفع الأسعار إلى 100 دولار للبرميل، خاصة إذا طال أمد الأزمة.
وتوضح المقارنة مع عام 2022 الفارق حيث ارتفع خام برنت إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل خلال أسابيع من الغزو الروسي لأوكرانيا. آنذاك، كانت صادرات روسيا تمثل حصة ضخمة من السوق العالمية، ما جعل خطر فقدان الإمدادات أكثر وضوحًا وفورية.
أما اليوم، فرغم أن المنطقة المعنية تمر عبرها كميات أكبر من النفط، فإن السوق ينتظر دلائل على انقطاع فعلي قبل إعادة التسعير بشكل جذري.
ويشير الباحث النفطي بن كاهيل من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن المتداولين تجاهلوا المخاطر الجيوسياسية لسنوات، وأنهم حتى الآن كانوا محقين في ذلك، لأن معظم الأزمات لم تؤدِ إلى انقطاعات مستدامة.
لكنه يلفت إلى أن المزاج بدأ يتغير مع استمرار اضطرابات الشحن والهجمات على منشآت رئيسية في الخليج.
وفي أسواق الطاقة الأخرى، تبدو الإشارات أكثر توترًا. فقد شهد زيت الغاز، وهو وقود مشابه للديزل، ارتفاعات ملحوظة، كما صعدت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأوروبي بعد توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ما يشكل مؤشرًا مبكرًا على قلق أعمق يتشكل تدريجيًا.
وتتوقع آر بي سي أن يتجاوز النفط 100 دولار للبرميل في حال تحول النزاع إلى صراع مطول، كما يرى محللون أن أي هجمات ناجحة وكبيرة على مواقع إنتاج أو تصدير النفط في دول الخليج قد تدفع الأسعار سريعًا إلى مستويات من ثلاثة أرقام.















