مقاطعة واسعة لتعديل دستوري يفترض أن يؤسّس لـ”جزائر جديدة”

تبون يواجه وضعاً معقّداً بسبب نسبة المشاركة

أظهرت النتائج أن الجزائريين قاطعوا بشكل واسع أمس، الأحد، التصويت على تعديل دستوري يفترض أن يؤسس يؤسّس لـ”جزائر جديدة” ويُضفي الشرعيّة على الرئيس، عبد المجيد تبون، صاحب هذه المبادرة والغائب الأكبر عن هذا التصويت بسبب علاجه في الخارج.

وأغلقت مكاتب التصويت، وعددها 61 ألفاً، كما كان مقرّراً، في الساعة السابعة مساء، على نسبة مشاركة ضعيفة. وأعلن رئيس السلطة الوطنيّة المستقلّة للانتخابات، محمد شرفي، أنّ “نسبة المشاركة الوطنيّة الخاصّة بالاستفتاء على تعديل الدستور على المستوى الوطني هي 23,7%”، ما يُعادل تصويت 5.5 ملايين ناخب من أصل 23.5 مليون مسجّل بالجزائر، دون احتساب نحو 900 ألف ناخب في الخارج.

ونسبة المشاركة، التي كانت الرهان الوحيد في الاستفتاء، هي أقلّ بكثير من النسبة المُسجّلة في الانتخابات الرئاسيّة (39.93%) التي فاز بها تبون، في 12 كانون الأول/ديسمبر 2019، والتي اعتُبرت ضعيفة جدّاً.

ويُنتظر أن تُعلن السلطة الوطنيّة للانتخابات النتائج النهائيّة للاستفتاء مع نسبة المشاركة باحتساب الناخبين في الخارج، اليوم الإثنين، خلال مؤتمر صحافي يعقدهُ شرفي.

ومنذ بداية الاستفتاء اتضح الاتّجاه نحو نسبة مشاركة ضعيفة. ولا شكّ في فوز معسكر الـ”نعم”، إذ إنّ الحملة التي سبقت الاستفتاء ولم يُبال بها جزء كبير من السكّان، كانت باتّجاهٍ واحد، بينما لم يتمكّن أنصار التصويت بـ”لا” من تنظيم تجمّعات.

وبحسب المحلّل السياسي حسني عبيدي، المتخصّص في شؤون العالم العربي، يُواجه تبون “وضعا معقّداً” بسبب نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات الرئاسيّة التي جاءت به. وأضاف أنه “حتّى لو حاول الحصول على الشرعيّة من خلال صندوق الاقتراع، فإنّ مساحة المناورة لديه محدودة”، لأنّ الجيش “تعلّم الدروس” من رئاسة عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019) الذي حرّر نفسه من وصايته، مشيراً إلى أنّه أصبح مرّة أخرى “الممسك الحقيقي” بزمام السلطة.

ورأت أستاذة العلوم السياسيّة في جامعة الجزائر، لويزة آيت حمدوش، أن الحكم على قوّة الحراك سيكون من خلال نسبة الامتناع عن التصويت على التعديل الدستوري واستمرار طبيعته السلميّة. وأشارت إلى أنّ “الاستفتاء لا يمثّل أيّ رهان من حيث التغيير السياسي وتغيير أسلوب الحكم”، لكنّه “يمثّل رهانًا كبيرًا فيما يتعلّق بتوطيد السلطة، بالاعتماد في المقام الأوّل على نسبة المشاركة”.

وتمّ تطبيق إجراءات صارمة بسبببب وباء كورونا، بدءاً بتحديد عدد الذين يدخلون إلى مركز الاقتراع بشخصين أو ثلاثة في وقتٍ واحد، والتزام وضع الكمامات. وأُلغيت الستائر في مقصورات الاقتراع، لمنع الناخبين من لمسها.

وقبل الاستفتاء، قال تبون في رسالة نشرتها وكالة الأنباء الرسميّة، مساء أول من أمس السبت، إنّ “الشعب الجزائري سيكون مرّةً أخرى على موعد مع التاريخ، من أجل التغيير الحقيقي المنشود، من خلال الاستفتاء على مشروع التعديل الدستوري ، من أجل التأسيس لعهد جديد يُحقّق آمال الأمّة وتطلّعات شعبنا الكريم إلى دولة قويّة عصريّة وديموقراطيّة”.

ولم يتمّ اختيار موعد الاستفتاء مصادفة. فالأوّل من تشرين الثاني/نوفمبر هو “عيد الثورة” وذكرى اندلاع حرب الاستقلال ضدّ الاستعمار الفرنسي في السنوات 1954 – 1962.

وكان تبون (74 عاماً) الغائب الأكبر في هذا الاقتراع، بعدما نُقل إلى ألمانيا، يوم الأربعاء الماضي، لإجراء فحوص طبّيّة “متعمقة”، إثر أنباء عن الاشتباه بإصابته بكورونا. وأوضحت الرئاسة أنّ حالته “مستقرّة وغير مقلقة”. وصوتت زوجته فاطمة الزهراء تبون نيابةً عنه.

وأفاد ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن وقوع أعمال شغب وتكسير لصناديق اقتراع ليل السبت – الأحد، في منطقة القبائل المعروفة بعزوفها الانتخابي. وشهدت بجاية وتيزي وزو، أهمّ مدينتَين في منطقة القبائل، عزوفاً شبه تامّ عن التصويت، بحسب شهود على مواقع التواصل الاجتماعي، وساهم ذلك بشكل كبير في ضعف نسبة المشاركة.

كما ذكرت اللجنة الوطنيّة للإفراج عن المعتقلين، وهي جمعيّة داعمة للحراك، أنّ قوّات الشرطة أوقفت عدداً من الأشخاص في العاصمة وتيزي وزو.

منذ أدائه اليمين رئيساً للبلاد في 19 كانون الأوّل/ديسمبر 2019، بعد أسبوع من انتخابات شهدت نسبة امتناع قياسيّة عن التصويت، تعهّد تبون تعديل دستور 1996 من خلال مَدّ يده إلى “الحراك المبارك”، لكنّ ناشطي الحركة الاحتجاجيّة رفضوا النصّ المقترح “شكلًا ومضمونًا” لأنّه لا يُمثّل سوى “تغيير في الواجهة”، في حين أنّ الشارع طالب بـ”تغيير النظام”، لذلك دعوا إلى مقاطعة الاستفتاء.

ويُحافظ الدستور المعدل على جوهر النظام الرئاسي، رغم تضمّنه سلسلة من الحقوق والحرّيات لتلبية تطلّعات الحراك. وجرى الاستفتاء على التعديل الدستوري في جوّ من القمع إذ استنكر المعارضون – من الإسلاميّين إلى أقصى اليسار، بمن فيهم المدافعون عن حقوق الإنسان – مشروعًا يهدف إلى دفن الحراك بالنسبة للبعض وإلى دسترة العلمانيّة بالنسبة لآخرين. وأفاد المحلل عبيدي بأنّ “السلطة تُدرك أنّ العلاقة مع الشعب مقطوعة إلى الأبد”.

وبعد نحو عشرين شهراً على اندلاع الحراك بتظاهرات احتجاجيّة غير مسبوقة، تُشكّل الانتخابات اختباراً حقيقياً له، خصوصاً بعدما أضعفه القمع اليومي للنشطاء والوقف القسري للتظاهرات بسبب الأزمة الصحّية.

شاهد أيضاً: رئيس الجزائر يغادر إلى ألمانيا بعد أيام من دخوله الحجر الصحي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الوطن الخليجية