إيران تسعى لفرض واقع جديد في مضيق هرمز بفرض ترتيبات مالية

تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز ساحات الصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تكشف فيه المعطيات عن محاولات إيرانية لإعادة تشكيل قواعد الملاحة البحرية وفرض ترتيبات مالية جديدة قد تغيّر طبيعة هذا الممر الحيوي.
وتعمل طهران على تحويل سيطرتها العسكرية المؤقتة على المضيق إلى نفوذ اقتصادي دائم، عبر فرض رسوم على السفن العابرة، مستفيدة من الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب والتوترات الإقليمية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع محادثات سياسية جارية في إسلام آباد، يُنتظر أن تحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وتعكس سيناريوهات التداول الحالية نموذجاً عملياً لآلية العبور، حيث تقوم السفن بالحصول على تصاريح مسبقة لدخول المياه الإقليمية الإيرانية، مقابل دفع مبالغ مالية عبر قنوات مصرفية مرتبطة بطهران.
وفي حال التوصل إلى اتفاق، قد يتحول هذا النموذج إلى نظام يومي رسمي ينظم حركة الملاحة عبر المضيق.
ويرى خبراء في الأمن البحري أن الخطوة الأولى لإضفاء الشرعية على هذه الإجراءات تتمثل في إعادة توصيف الرسوم، بحيث تُقدم باعتبارها مقابلاً لخدمات أمنية، مثل مرافقة السفن وضمان سلامتها، بدلاً من اعتبارها رسوماً مباشرة على المرور.
ويؤكد الخبير دونالد روثويل أن هذا التوصيف قد يمنح إيران هامشاً قانونياً في ظل القيود الدولية المفروضة على المضائق.
وكانت إيران قد أغلقت المضيق فعلياً خلال التصعيد الأخير، مستندة إلى اعتبارات أمنية بعد تعرضه لهجمات، إلا أن هذا الإجراء يظل محل جدل قانوني، خاصة أن القوانين الدولية تقيّد قدرة الدول على تعطيل الملاحة في الممرات الدولية إلا في ظروف استثنائية.
في المقابل، يبدو أن إدارة دونالد ترامب تتبنى موقفاً متذبذباً، حيث ألمح في وقت سابق إلى إمكانية تقاسم عائدات الرسوم مع إيران، قبل أن يعود ويحذرها من الاستمرار في فرضها، ما يعكس غياب رؤية واضحة للتعامل مع هذا الملف.
وقد تفرض إيران رسوماً تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة، أو دولار واحد عن كل برميل نفط، في حين يرجح خبراء أن يتم احتسابها بناءً على حمولة السفن لتسهيل التطبيق.
ومع ارتفاع أسعار النفط والشحن إلى مستويات قياسية، قد يجد الشاحنون أنفسهم مضطرين لدفع هذه الرسوم لضمان استمرار عملياتهم.
وتعكس البيانات الميدانية تراجعاً حاداً في حركة الملاحة، حيث انخفض عدد السفن العابرة من نحو 130 سفينة يومياً قبل التصعيد إلى 14 فقط في بعض الفترات، معظمها مرتبط بأساطيل غير خاضعة للرقابة التقليدية أو خاضعة للعقوبات.
وتفرض إيران إجراءات تدقيق صارمة على السفن، تشمل تقديم وثائق تفصيلية حول الشحنات والطاقم وخطوط السير، بهدف التأكد من عدم ارتباطها بجهات تعتبرها معادية، وهو ما يعكس مستوى السيطرة الذي تسعى لفرضه على حركة الملاحة.
في هذا السياق، برزت سفن من دول مثل روسيا والصين والهند وباكستان ضمن حركة العبور، فيما لجأت بعض الشركات إلى استخدام اليوان الصيني لتسديد الرسوم، في ظل قيود التعامل بالدولار نتيجة العقوبات. كما طُرحت العملات المشفرة كخيار بديل، رغم غياب نظام دفع واضح حتى الآن.
ويشير خبراء إلى أن التحدي الأكبر أمام إيران لا يتمثل في فرض السيطرة، بل في تحويلها إلى نظام مستدام وقابل للتوسع، خاصة في ظل التباين بين المؤسسات العسكرية والسياسية داخل البلاد، ما ينعكس على ضعف التنسيق في إدارة هذا الملف.
رغم ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يعزز من فرص نجاح هذا النموذج، حيث يمكن استيعاب الرسوم بسهولة نسبية ضمن تكاليف الشحن المرتفعة، ما قد يشجع بعض الشركات على الاستمرار في استخدام المضيق رغم المخاطر.
في المقابل، تبقى العقوبات الأمريكية العامل الحاسم، إذ إن أي مدفوعات لإيران قد تُعد خرقاً لها، ما يجعل رفع هذه العقوبات شرطاً أساسياً لنجاح أي ترتيب رسمي طويل الأمد.
وتشير التقديرات إلى احتمال حدوث انقسام في السوق بين مالكي السفن الآسيويين والغربيين، حيث قد يكون الأولون أكثر استعداداً لتحمل المخاطر والاستفادة من الفرص، فيما قد يتجه الغربيون إلى مسارات بديلة أو تقليص نشاطهم في المنطقة.
في هذا السياق، تواجه الإمارات العربية المتحدة تحديات متزايدة، إذ يُنظر إلى تعزيز السيطرة الإيرانية على المضيق كتهديد مباشر لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على استقرار طرق الطاقة.
وتعكس تصريحات المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش بشأن إعادة تقييم التحالفات، وتحذيرات المسئول الاقتصادي سلطان الجابر من استمرار إغلاق المضيق فعلياً، حجم القلق الذي يساور أبوظبي تجاه هذه التطورات.















