إيران تشهد أوسع احتجاجات منذ سنوات وسط انهيار العملة وتصاعد الغضب الشعبي

لم تكن مهناز قد بلغت السن التي تسمح لها بالمشاركة في الاحتجاجات حين توفيت مهسا أميني في عام 2022 بعد احتجازها لدى شرطة الأخلاق بزعم عدم ارتدائها الحجاب “بالشكل الصحيح”. آنذاك، منعتها والدتها من الخروج إلى الشوارع والانضمام إلى الحشود التي هتفت “المرأة، الحياة، الحرية” في طهران ومختلف المدن الإيرانية، فاضطرت إلى متابعة المشهد من المنزل، تشاهد المحتجين وهم يُواجهون بالهراوات والرصاص.
اليوم، وبعد ثلاث سنوات، تقول مهناز، البالغة من العمر 19 عامًا وتدرس علوم الحاسوب في طهران، إن اللحظة التي انتظرتها قد حانت. فقد فجّر الانهيار الحاد في قيمة العملة الإيرانية موجة غضب واسعة، دفعت آلاف الإيرانيين إلى الخروج في احتجاجات تُعد الأكبر منذ سنوات، وبعضها شهد مواجهات دامية أسفرت عن سقوط قتلى.
وبحسب مصادر حقوقية، قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص جراء أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات، من بينهم حالتا وفاة جديدتان سُجلتا ليلًا. وبدأت الاحتجاجات بإغلاق تجار لمحالهم اعتراضًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تمتد من طهران إلى نحو 32 مدينة في أنحاء البلاد.
وتقول مهناز، التي تحدثت باسم مستعار خوفًا من الملاحقة: “رغم خوف أمي، شاركتُ في الاحتجاجات. فهم يعتقلوننا ويُعدمون الناس سواء خرجنا أم لم نخرج. كثيرون باتوا يتساءلون: إذا كانوا يقتلوننا حتى ونحن في بيوتنا، فلماذا ننتظر اللحظة المناسبة؟”.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، تحولت الشعارات من مطالب اقتصادية إلى هتافات سياسية مباشرة ضد النظام، من بينها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي (86 عامًا)، إلى جانب إعادة إحياء شعار “المرأة، الحياة، الحرية” الذي ميّز احتجاجات 2022.
في المقابل، أعلن الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان في بداية الأحداث أنه وجّه السلطات للاستماع إلى “المطالب المشروعة” للمحتجين، وأبدى استعداده للحوار. غير أن منظمات حقوقية تؤكد أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة ضد المتظاهرين.
وذكر “مركز حقوق الإنسان في إيران”، ومقره نيويورك، أن ثمانية محتجين قُتلوا برصاص قوات الأمن، فيما أُصيب العشرات. كما أفادت وكالة نشطاء حقوق الإنسان باعتقال ما لا يقل عن 119 شخصًا. وروى رضا، وهو طالب جامعي يبلغ 20 عامًا، كيف اقتحمت عناصر بملابس مدنية وقوات “الباسيج” مساكن الطلبة ليلة رأس السنة، وشرعوا في استجواب وضرب الطلاب بحثًا عمّن يقود الاحتجاجات. وعلى إثر ذلك، حُوّلت العديد من المحاضرات إلى التعليم عن بُعد لمنع التجمعات داخل الجامعات.
ويقول رضا: “المشاركة في هذه الاحتجاجات قد تدمّر مستقبلنا، لكننا أدركنا أنه لا مستقبل لنا أصلًا في ظل هذا النظام، فلماذا نختبئ؟”.
وتأتي هذه التطورات في وقت حرج بالنسبة للحكومة الإيرانية، بعد حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي، قُتل خلالها أكثر من ألف شخص نتيجة غارات إسرائيلية شبه متواصلة. وقد شكّلت الحرب ضربة لصورة النظام الإيراني الذي طالما أكد أن إسرائيل لن تجرؤ على ضرب إيران داخل أراضيها. وشاهد الإيرانيون، بحسب مراقبين، الفارق بين استعداد الإسرائيليين عبر الملاجئ، واضطرارهم هم إلى الاحتماء بمحطات المترو أو مغادرة طهران تحت القصف.
ومع تصاعد الاحتجاجات، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توجيه تهديدات لطهران، محذرًا من هجوم جديد إذا أعادت إيران بناء قدراتها الصاروخية، وهو ما تنفيه طهران. كما لوّح بتدخل أميركي في حال قُتل محتجون، مؤكدًا أن الولايات المتحدة “جاهزة ومسلحة”.
هذه التصريحات دفعت المسؤولين الإيرانيين إلى الترويج لرواية “التدخل الخارجي”، حيث اتهم علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاحتجاجات.
غير أن تلك التهديدات، بحسب محتجين، عززت قناعتهم بأن اللحظة الحالية هي الأنسب للتحرك. وتقول مهناز:
“بعد ما جرى في يونيو، نعرف أن علينا الضغط حين يكون النظام في أضعف حالاته. كما يقولون: اضرب الحديد وهو ساخن”.
في المقابل، عبّر محتجون آخرون عن رفضهم لأي تدخل عسكري خارجي، مطالبين بدلًا من ذلك بضغوط دبلوماسية غربية، ودعم تقني يضمن استمرار الإنترنت داخل إيران.
ويقف الانهيار الاقتصادي في صدارة أسباب الغضب الشعبي، إذ فقد الريال الإيراني أكثر من 50% من قيمته خلال ستة أشهر، مسجلًا أدنى مستوى تاريخي عند 1.4 مليون ريال مقابل الدولار. ويرجع خبراء ذلك إلى سوء الإدارة الحكومية والعقوبات الدولية التي حالت دون وصول إيران إلى أصولها المجمدة.
كما ارتفعت كلفة المعيشة بشكل حاد، مع زيادة أسعار الغذاء بنحو 50% مقارنة بالعام الماضي، فيما زاد استياء المواطنين إعلان ضريبة جديدة من المقرر تطبيقها مع بداية السنة الإيرانية في 21 مارس.
ورغم الشكوك حول قدرة الاحتجاجات على الصمود أمام قمع عنيف مشابه لما جرى عام 2022، في ظل غياب رمز موحِّد مثل مهسا أميني وتشتت المطالب، يؤكد المتظاهرون عزمهم الاستمرار.
ويقول معين، وهو محتج يبلغ 28 عامًا من إقليم لرستان: “تعلمنا من الماضي أن الطريق الوحيد للحرية هو الاحتجاج المستمر والمنظّم. هدفنا كان ولا يزال إنهاء هذا النظام، وهذا ما يجمع كل الاحتجاجات”.















