العام الذي هزّ الخليج: تصدّعات التحالفات وضربات الحرب تعيد رسم موازين المنطقة

تشهد منطقة الخليج تحولات عميقة بعد عام من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تعرضت الرؤية التي روّجت لمستقبل مستقر قائم على الاستثمار والتكنولوجيا لضربة قوية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والحرب مع إيران.

فقد انسحبت الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك، بينما تنهي السعودية أحد أبرز مشاريعها الرياضية الخارجية، في وقت يخوض فيه الحليفان مفاوضات معقدة وسط ضغوط متزايدة من إيران، ما يعكس حجم التغيرات في بنية التحالفات الخليجية.

وتلقت خطط التحول الاقتصادي في الخليج، التي كانت تعتمد على السياحة والذكاء الاصطناعي والاستثمارات الأمريكية، انتكاسة واضحة، مع تراجع التعهدات الاستثمارية الضخمة التي رُوّج لها خلال جولة ترامب في المنطقة.

وتراجعت أيضاً فكرة “العصر الذهبي” الأمريكي المدعوم بأموال الخليج، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية التي أعادت المنطقة إلى واجهة التوترات الجيوسياسية.

وتشير المعطيات إلى أن الهجمات الإيرانية، خصوصاً باستخدام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، أثرت بشكل مباشر على ثقة المستثمرين.

وقال جو دومينغيز، الرئيس التنفيذي لشركة “كونستليشن”، إن المستثمرين لم يعودوا يسارعون لبناء مراكز بيانات بمليارات الدولارات في الخليج، بعد إثبات هشاشة البيئة الأمنية.

كما تعرض نموذج “دبي” القائم على تسويق الاستقرار كسلعة استثمارية لضربة قوية، بعد استهداف منشآت سياحية ومطارات، ما أضعف صورة المنطقة كمركز آمن للأعمال والسياحة.

في السياق ذاته، بدأ صندوق الثروة السيادية السعودي تقليص استثماراته، حيث انسحب من بطولة LIV Golf بعد إنفاق أكثر من 5 مليارات دولار، في مؤشر على إعادة تقييم الإنفاق في ظل تراجع عائدات النفط.

وتواجه مشاريع كبرى مثل “نيوم” ضغوطاً متزايدة، إلى جانب فعاليات ترفيهية ورياضية ضخمة كانت تمثل جزءاً من استراتيجية الانفتاح الاقتصادي، وذلك مع اقتراب استحقاقات دولية مثل كأس العالم 2034.

ويشكّل انسحاب الإمارات من أوبك نقطة تحول بارزة في العلاقات الخليجية، حيث فاجأ القرار القيادة السعودية وأثار استياءً واضحاً داخل الرياض، وفق مصادر مطلعة.

ويعكس هذا القرار تصاعد التنافس الإقليمي بين أبوظبي والرياض، في ظل اختلافات حول ملفات عدة، بينها اليمن والسودان وفلسطين، إلى جانب تباين في الرؤى السياسية والاستراتيجية.

وقد برزت اختلافات واضحة في مواقف قيادتي البلدين تجاه الحرب مع إيران، إذ سعى رئيس الإمارات محمد بن زايد إلى تجنب الحرب في البداية، قبل أن يدعم استمرارها لاحقاً لمنع طهران من تعزيز نفوذها.

في المقابل، تبنّى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان موقفاً متذبذباً، حيث دعم الحرب في بدايتها، ثم سعى إلى الخروج منها سريعاً بعد ظهور آثارها الاقتصادية السلبية.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على السعودية والإمارات، إذ تلقت قطر ضربة لصادراتها من الغاز، ما أثّر على توازناتها التقليدية بين واشنطن وطهران.

في الوقت ذاته، اتجهت الإمارات لتعزيز شراكتها مع إسرائيل ضمن إطار اتفاقيات أبراهام، بما في ذلك التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، بينما اقتربت السعودية أكثر من تركيا وباكستان.

وكشفت مصادر أمريكية وإقليمية أن إدارة ترامب تأخرت في إدراك حجم الخلاف بين الرياض وأبوظبي، وفضّلت عدم التدخل في تصاعده.

وأبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو الطرفين أن واشنطن لن تنحاز لأي منهما، فيما تجنّب جاريد كوشنر الانخراط في الخلاف لتفادي توتر علاقاته مع الجانبين.

وتسود مخاوف داخل الأوساط الأمريكية من أن يخرج الحليفان الخليجيان الرئيسيان من الحرب بعلاقات أكثر توتراً، ما قد يؤثر على تماسك التحالفات الإقليمية.

ورغم ذلك، لا تزال دول الخليج تحتفظ بعوامل قوة مهمة، تشمل احتياطيات الطاقة الضخمة ورؤوس الأموال الكبيرة، إلى جانب الشراكة الأمنية المستمرة مع واشنطن.

ويرى بعض المحللين أن الأزمة الحالية تمثل صدمة مؤقتة، وليست تحولاً جذرياً، إلا أن تداعيات الحرب مع إيران كشفت هشاشة بعض الركائز التي بُنيت عليها رؤية الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

وفي المجمل فقد اصطدمت الوعود الأمريكية بتحقيق طفرة استثمارية في الخليج بواقع أمني متوتر فرضته الحرب مع إيران، ما أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات وتغيير أولويات المنطقة.

ويبدو أن إصلاح الأضرار التي لحقت بهذه الرؤية سيستغرق وقتاً أطول، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعيد رسم ملامح الخليج في مرحلة ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى