هل تتجه الأمم المتحدة نحو الانهيار المالي في ظل امتناع الولايات المتحدة عن الدفع؟

تواجه الأمم المتحدة أخطر أزمة مالية في تاريخها الحديث، مع تصاعد التحذيرات من احتمال حدوث “انهيار مالي” نتيجة امتناع الولايات المتحدة عن سداد مستحقاتها منذ أكثر من عام، في وقت تواصل فيه واشنطن الاحتفاظ بكامل نفوذها السياسي داخل المنظمة، وعلى رأسه حق النقض في مجلس الأمن.

وتأتي هذه التطورات في ظل هجوم سياسي متزايد من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دور الأمم المتحدة وفعاليتها في إدارة النزاعات الدولية.

وخلال مؤتمر ميونيخ للأمن نهاية الأسبوع، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الأمم المتحدة، رغم امتلاكها “إمكانات” للقيام بالخير، “ليس لديها إجابات ولم تلعب أي دور فعلي” في حل النزاعات، مضيفًا أن القيادة الأمريكية هي التي أنهت أزمات كبرى، من بينها الحرب على غزة.

وجاءت تصريحاته في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة في غزة مقتل مئات الفلسطينيين بنيران إسرائيلية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر، ما أعاد تسليط الضوء على عجز المنظمة الدولية عن فرض قراراتها.

وقبل ذلك، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ست مرات متتالية ضد مشاريع قرارات تدعو إلى هدنة إنسانية في غزة، ما أدى إلى تهميش دور الأمم المتحدة في مواجهة ما وصفه باحثون وخبراء أمميون بإبادة جماعية.

ورغم ذلك، اتهم روبيو دولًا أخرى باستخدام “مفاهيم مجردة من القانون الدولي” لحماية نفسها، على حد تعبيره، دون أن يسميها.

وتوقفت واشنطن عن دفع مستحقاتها للأمم المتحدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبل 13 شهرًا، وتدين حاليًا بنحو أربعة مليارات دولار، رغم تعهدها بالبدء في السداد خلال أسابيع.

وبحسب أرقام مجلس العلاقات الخارجية، تتحمل الولايات المتحدة نحو 22 بالمئة من ميزانية التشغيل الأساسية للمنظمة، إضافة إلى حصة كبيرة من ميزانيات حفظ السلام، وهو ما يجعل أي تأخير أمريكي ذا أثر فوري وخطير.

وفي رسالة بعثها الشهر الماضي إلى سفراء الدول الأعضاء الـ196، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من احتمال حدوث “انهيار مالي”، مؤكدًا أن الوضع “ملحّ للغاية”، وأن عدم سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها في الوقت المحدد هو السبب الرئيسي للأزمة.

وأوضح أن الأمم المتحدة تحتاج في عام 2026 إلى 3.5 مليار دولار لتمويل وكالاتها، و5.7 مليارات دولار لعمليات حفظ السلام، في وقت حدد فيه الكونغرس الأمريكي سقف مساهمة واشنطن في حفظ السلام عند 25 بالمئة فقط.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين كبار في الأمم المتحدة تحذيرهم من أن الأموال قد تنفد بحلول يوليو المقبل، ما قد يؤدي إلى إلغاء اجتماعات الجمعية العامة في سبتمبر، وربما إغلاق المقر الرئيسي للمنظمة في مانهاتن، في سابقة غير مسبوقة.

وتتزامن الأزمة المالية مع خطوات أمريكية تصعيدية، إذ وقع ترامب الشهر الماضي أمرًا تنفيذيًا بالانسحاب من 66 منظمة متعددة الأطراف، نصفها تقريبًا تابع للأمم المتحدة، وتشمل مجالات المناخ، وبناء الديمقراطية، ومكافحة الإرهاب.

ويعيد ذلك إلى الأذهان قرارات مماثلة خلال ولايته الأولى، حين انسحب من منظمة اليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، وقطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

ويرى خبراء أن امتناع واشنطن عن الدفع يتناقض مع الامتيازات التي تتمتع بها داخل المنظمة.

وقال دانيال فورتي، رئيس شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إن الالتزام المالي الأمريكي “ليس عقوبة، بل انعكاس لامتيازاتها المؤسسية”، مؤكدًا أن تحذير غوتيريش “ليس مبالغًا فيه على الإطلاق”، وأن “الوضع خطير للغاية”.

وفي المقابل، تتصاعد الدعوات لإصلاح جذري لآليات تمويل الأمم المتحدة. وقال مانديب تيوانا إن النظام الحالي “غير متوازن وغير قابل للاستمرار”، داعيًا إلى نموذج يفرض مساهمة متناسبة من جميع الدول بناءً على دخلها القومي، بدل الاعتماد على عدد محدود من القوى الكبرى.

ومع بحث إدارة ترامب عن بدائل، برز ما يسمى “مجلس السلام” كأداة موازية لحل النزاعات، وهو ما يراه منتقدون محاولة لتجاوز الأمم المتحدة بدل إصلاحها.

وفي هذا السياق، قالت المسؤولة الأمريكية السابقة أليسون لومباردو إن أي إطار بديل “لن يستطيع منافسة شرعية الأمم المتحدة” ما لم يمتلك التمويل والنفوذ السياسي اللازمين.

وبينما تتعمق الأزمة، يبقى مستقبل الأمم المتحدة معلقًا على سؤال جوهري: هل يمكن لمنظمة دولية أن تستمر في أداء دورها، بينما أكبر مموليها يرفض الدفع، لكنه يتمسك في الوقت ذاته بأقصى درجات النفوذ داخلها؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى