شكوك واسعة تحيط بحملة مكافحة الفساد في العراق رغم استعادة ملايين الدولارات

أثارت حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة العراقية الجديدة جدلاً واسعاً بشأن مدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في مواجهة الفساد المستشري، رغم تنفيذ مداهمات غير مسبوقة أسفرت عن اعتقال عشرات المسؤولين واستعادة ملايين الدولارات والأصول، في وقت تتزايد فيه شكوك العراقيين والمحللين حول ما إذا كانت الحملة ستطال الشخصيات السياسية الأكثر نفوذاً في البلاد.

ونفذت قوات عراقية مدعومة بالدبابات والمركبات المدرعة ووحدات مكافحة الإرهاب، فجر 28 يونيو، عملية واسعة داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد، استهدفت حي “بغداد ريزيدنس” القريب من السفارة الأمريكية، وذلك في إطار تحقيقات بشأن أموال يُشتبه في الحصول عليها عبر مخالفات في مشاريع حكومية.

وأسفرت المداهمات عن اعتقال ما لا يقل عن 47 شخصاً، بينهم سياسيون وأعضاء في البرلمان ومسؤولون كبار، فيما صادرت القوات ملايين الدولارات نقداً وسبائك ذهبية، إلى جانب مقتنيات ثمينة أثارت اهتمام الرأي العام، بينها ملابس داخلية نسائية مصنوعة من الذهب.

وسرعان ما تصدرت مشاهد المداهمات نشرات الأخبار العراقية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها كثيرون استعراضاً غير مسبوق للقوة ضد طبقة سياسية واجهت على مدى سنوات اتهامات بإهدار المال العام والإثراء على حساب الدولة.

ورحب عدد من المواطنين بالحملة، إلا أنهم ربطوا نجاحها بقدرة الحكومة على ملاحقة كبار المسؤولين وليس الاكتفاء بالشخصيات الأقل نفوذاً.

وقال محمد بشير، وهو شاب من البصرة يبلغ من العمر 24 عاماً، إن رؤية ملايين الدولارات والسبائك الذهبية المخزنة لدى مسؤولين كانت صادمة، لكنه أكد أن الحكم على جدية الحملة سيعتمد على ما إذا كانت ستطال الشخصيات السياسية الأكثر نفوذاً، مضيفاً أنه يريد معرفة ما إذا كان رئيس الوزراء علي الزيدي سيمضي في محاسبة كبار المسؤولين، أم أن الحملة ستنتهي كما انتهت حملات سابقة.

وأبدى جاسم محمد، وهو مواطن من بغداد، تشككاً مماثلاً، معتبراً أن الوقت وحده سيكشف ما إذا كانت الحملة تمثل تحولاً حقيقياً أم أنها مجرد خطوة مؤقتة، مشيراً إلى أن سجن السياسيين الفاسدين سيكون رسالة رادعة، لكنه شدد أيضاً على ضرورة تحسين الخدمات العامة والبنية التحتية.

وتأتي الحملة قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، وسط ضغوط أمريكية متزايدة على بغداد لإظهار قدرة أكبر على ضبط مؤسسات الدولة والحد من نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.

وأثار توقيت المداهمات تكهنات بأن العملية تحمل أيضاً رسائل سياسية موجهة إلى الولايات المتحدة، لإظهار جدية الحكومة العراقية في التعامل مع ملفات الفساد، ولا سيما تلك المرتبطة بمسؤولين محسوبين على أحزاب شيعية مقربة من إيران.

وذكرت وسائل إعلام أن عدداً من المعتقلين خلال المداهمات ينتمون إلى أحزاب شيعية مقربة من إيران، كما جاءت العملية بعد اجتماع جمع رئيس الوزراء العراقي بالمبعوث الأمريكي الخاص توم باراك.

وقال ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في “تشاتام هاوس”، إن الحملة تستهدف أيضاً تحسين صورة الحكومة العراقية أمام الولايات المتحدة وحلفائها، موضحاً أن الزيدي يسعى إلى تسويق إدارته خارج العراق بقدر ما يسعى إلى إقناع الرأي العام المحلي.

وأضاف أن الحملة نجحت في استعراض قدرتها على كشف كميات كبيرة من الأموال والذهب، لكنها حتى الآن تجنبت مواجهة الشخصيات السياسية التي تقف على رأس منظومة المحاصصة والفساد في البلاد.

وأوضح أن السلطات ركزت على مسؤولين من الرتب المتوسطة، لأن ملاحقتهم أسهل من ملاحقة الشخصيات الأكثر نفوذاً، معتبراً أن ذلك يحد من فعالية الحملة في معالجة جذور الفساد داخل النظام السياسي.

وأشار إلى أن استعادة الأموال والأصول لا تعني إصلاحاً هيكلياً، لأن النظام الذي يغذي الفساد لا يزال قائماً، مضيفاً أن العراق يواجه تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتأثيراتها على البلاد.

بدوره، قال المحلل السياسي رعد هاشم إن الحملة لن تكتسب مصداقية حقيقية ما لم تنتقل إلى استهداف “الأسماك الكبيرة”، في إشارة إلى كبار المسؤولين وقادة الفصائل المسلحة الذين راكموا ثروات ضخمة على مدى سنوات.

وأضاف أن ما تحقق حتى الآن يعد غير مسبوق بالمعايير العراقية، لكنه يظل محدوداً إذا ما قورن بحملات مكافحة الفساد في دول أخرى، معتبراً أن عدم استهداف الشخصيات النافذة يمثل نقطة ضعف رئيسية قد تقوض ثقة الشارع بالحملة.

ورأى هاشم أنه لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي، مشيراً إلى احتمال أن تكون العمليات الحالية تمهيداً لحملة أوسع، لكنه أكد أن تجاهل كبار المتهمين سيضعف مصداقية الجهود الحكومية بأكملها.

من جانبه، اعتبر النائب العراقي السابق سركوت شمس الدين أن الحملة تنسجم مع الخطاب المناهض للفساد الذي تبنته الحركة الصدرية، وقد تمنح الحكومة زخماً سياسياً قبل الانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل.

وقال إن رئيس الوزراء يخوض مخاطرة سياسية كبيرة لم يجرؤ عليها كثير من أسلافه، واصفاً المعتقلين بأنهم مجرد عينة من شبكة أوسع تستنزف المال العام منذ سنوات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ما جرى لا يمثل سوى بداية، وأن نجاح الحملة سيتوقف على قدرتها على الاستمرار وتوسيع نطاقها.

وكشف مسؤول في هيئة النزاهة الاتحادية أن السلطات العراقية تمكنت حتى الرابع من يوليو من استعادة أصول تبلغ قيمتها 98 مليار دينار عراقي، تعادل نحو 74 مليون دولار، إضافة إلى 11 مليون دولار نقداً، موضحاً أن فرق التحقيق استخدمت معدات خاصة لاستخراج الأموال المدفونة على عمق أربعة أمتار تحت الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى