فايننشال تايمز: الرياض تكافح لكبح الإنفاق بعد عقد من الإسراف وسط انهيار في أداء سوق الأسهم

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن السعودية تحاول حاليًا كبح جماح إنفاقها بعد عقد من الإسراف، وذلك في وقت يشهد فيه سوق الأسهم المحلي واحدة من أسوأ فترات الأداء على مستوى العالم هذا العام، مع تراجع ثقة المستثمرين وفشل الاكتتابات الجديدة في تحقيق النتائج المرجوة.
وبحسب التقرير، فإن سوق الأسهم السعودية (تداول) سجّلت هذا العام واحدًا من أسوأ خمسة أداءات بين أكثر من 90 سوقًا للأسهم على مستوى العالم، ولم تتفوق عليها في التراجع إلا أسواق جامايكا والدنمارك ولبنان والأرجنتين.
وأشارت الصحيفة إلى أن الشركات السعودية شكلت خمسة من بين أسوأ عشرة شركات ضمن مؤشر MSCI للأسواق الناشئة، الذي يضم أكثر من 1200 سهم.
ولفتت الصحيفة إلى أن الإدراجات الجديدة في السوق السعودي فشلت في مطابقة الأداء القوي الذي حققته الاكتتابات في عامي 2023 و2024. ففي المتوسط، ارتفعت الأسهم الجديدة المدرجة هذا العام بنسبة 4٪ فقط خلال أول شهر تداول، مقارنة بـ27٪ في العام السابق، وهو ما أثار شكوك المستثمرين بشأن جديّة المملكة في تنفيذ خططها لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
وقالت فايننشال تايمز إن هذه التحديات تأتي في وقت يتقلص فيه فائض الحساب الجاري، ويزداد فيه اعتماد الرياض على الاقتراض الخارجي لتعويض تراجع إيرادات النفط. فالمملكة، التي كانت أكبر مصدر سيادي للسندات في الأسواق الناشئة عام 2024، تستعد على الأرجح لتكرار هذا الدور في 2025، ما يعزز المخاوف من تفاقم مخزون ديونها الدولارية.
وأشارت الصحيفة إلى أن قيمة المشاريع الجديدة التي تم ترسيتها في النصف الأول من عام 2025 انخفضت بنسبة 60٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يعكس مراجعة للإنفاق العام، لا سيما في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط وارتفاع تكاليف الاقتراض على البنوك والشركات.
ورأت فايننشال تايمز أن المخاوف تتزايد من أن انخفاض الإيرادات قد يدفع الحكومة إلى التخلي عن سياستها التوسعية، والعودة إلى تقليص الإنفاق كما كانت تفعل في فترات سابقة.
ونقلت الصحيفة عن مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبو ظبي التجاري، قولها إن هناك مخاوف متنامية بشأن قدرة المملكة على التكيّف مع بيئة تتسم بانخفاض أسعار النفط، مشيرة إلى أن “شح السيولة في القطاع المصرفي” يُعد أحد التحديات البارزة، إذ تم استنزاف البنوك نتيجة الإقراض المكثف للحكومة.
كما أوردت الصحيفة تصريحات لمحمد السويد، الرئيس التنفيذي لشركة رزين كابيتال ومقرها الرياض، الذي قال إن خطط الطرح العام لا تواجه مشكلة من حيث التنظيم، لكن هناك قلقًا متزايدًا بين المستثمرين من إمكانية عودة الحكومة إلى تقليص الإنفاق في حال استمرار انخفاض أسعار النفط.
في السياق ذاته، أظهرت بيانات مجموعة تداول السعودية، المشغلة للبورصة، أن الإيرادات التشغيلية انخفضت بنسبة 13٪ في النصف الأول من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة انخفاض متوسط قيم التداول اليومية بمقدار الثلث.
كما كشفت الصحيفة أن صافي الأصول الأجنبية للبنوك السعودية – التي تُعد من أكبر مشتري السندات الحكومية – تحوّل إلى السالب في عام 2024 لأول مرة منذ 1993، نتيجة ارتفاع الاقتراض من الخارج لتمويل الإقراض المحلي.
وفي تقييمه للأوضاع، قال دان وورث، الشريك في صندوق التحوط Broad Reach للأسواق الناشئة، إن هناك تخوّفًا من أن السعودية، مع ضخ المزيد من إمدادات النفط، تضطر إلى دفع أسعار أعلى لمستثمري السندات في المستقبل، مؤكدًا أن “الديون السعودية مسعّرة بشكل غير صحيح”، محذرًا من “عسر هضم” مالي قد تشهده الأسواق لاحقًا.
ورغم هذه المؤشرات السلبية، أكدت فايننشال تايمز أن السعودية لا تزال بعيدة عن أزمة ديون حادة، إذ يبلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 415 مليار دولار بنهاية عام 2024، وتظل نسبة ديونها إلى الناتج المحلي من بين الأدنى عالميًا.
لكن صندوق النقد الدولي حذر، بحسب الصحيفة، من أن المملكة ستواجه عجزًا في الحساب الجاري خلال ما تبقى من هذا العقد، ما يعني اعتمادًا متزايدًا على رؤوس الأموال الأجنبية بدلًا من إيرادات النفط التقليدية.
وفي الختام، قالت فايننشال تايمز إن الضغط المتصاعد على السيولة، إلى جانب عمليات البيع المستمرة من المستثمرين المحليين، هو ما يقود التراجع الحاد في سوق الأسهم السعودية، ما يلقي بظلال من الشك على استدامة الطموحات الاقتصادية للمملكة في ظل بيئة مالية متقلّبة.















