بغداد تطرح قمة لمجلس التعاون الخليجي وإيران لإعادة رسم أمن المنطقة

طرحت الحكومة العراقية مبادرة جديدة تستهدف جمع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران على طاولة واحدة في بغداد، في محاولة لإطلاق حوار إقليمي يركز على الأمن الجماعي وخفض التوتر وتعزيز التعاون الاقتصادي، وسط استمرار التداعيات السياسية والعسكرية للحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما خلفته من مخاوف أمنية غير مسبوقة في منطقة الخليج.
وجاء الإعلان عن المبادرة خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في بغداد، حيث دعا حسين إلى عقد اجتماع يضم العراق وإيران والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لبحث مستقبل الأمن الإقليمي ووضع آليات مشتركة لمعالجة التحديات الأمنية والاقتصادية.
وقال وزير الخارجية العراقي إن استمرار الصراعات في المنطقة لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار وعدم الاستقرار، مؤكداً أن العراق يرى أن مسؤولية حماية أمن الخليج يجب أن تقع على عاتق دول المنطقة نفسها، بعيداً عن التدخلات الخارجية، معتبراً أن بغداد مستعدة لاستضافة هذا الحوار والعمل على توفير الأرضية المناسبة لإنجاحه.
وأوضح حسين أن المقترح لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يشمل أيضاً تطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز التعاون الإقليمي بين الدول المشاركة، في إطار رؤية عراقية تهدف إلى تخفيف حدة الاستقطاب الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي المبادرة العراقية في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية الإقليمية عقب الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، والذي فتح الباب أمام محاولات لإعادة ترتيب العلاقات الأمنية في الخليج، رغم استمرار حالة الحذر بين دول المجلس وإيران بعد الهجمات التي تعرضت لها عدة دول خليجية خلال الحرب.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد اختتم جولة خليجية شملت الإمارات والبحرين والكويت، سعى خلالها إلى طمأنة حلفاء واشنطن بأن أي اتفاق نهائي مع إيران سيأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية لدول الخليج، في ظل استمرار المخاوف من مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.
ورغم تداول تقارير عن استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة محادثات خليجية إيرانية، فإن دبلوماسيين خليجيين اعتبروا أن الحديث عن مثل هذه اللقاءات لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الأمنية والسياسية.
في المقابل، رحبت طهران بالمبادرة العراقية، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده الكامل للتعاون مع بغداد من أجل إطلاق هذا المسار الإقليمي، معتبراً أن الوقت قد حان لإنشاء إطار أمني جديد يضم جميع دول الخليج والعراق، ويقوم على إدارة أمن المنطقة من داخلها دون تدخل أو وجود لقوى خارجية.
وأكد عراقجي أن الحرب الأخيرة قدمت دروساً مهمة لجميع الأطراف، مشيراً إلى أن بلاده ناقشت مع المسؤولين العراقيين مستقبل الأمن الإقليمي وهيكل الأمن في الخليج، إضافة إلى سبل تطوير العلاقات الثنائية بين بغداد وطهران في المرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن التأييد الإيراني يمنح المبادرة العراقية زخماً سياسياً، بعد سنوات من طرح أفكار مشابهة داخل الأوساط السياسية العراقية دون أن تنجح في التحول إلى مشروع عملي، نتيجة التوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة، والانقسامات الإقليمية التي حالت دون إطلاق حوار جماعي.
وفي سياق متصل، التقى عراقجي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حيث تناولت المباحثات مستجدات الاتفاق الأمريكي الإيراني والتطورات الأمنية في المنطقة، إلى جانب عدد من الملفات الثنائية ذات الاهتمام المشترك.
وتزامنت الزيارة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، بعدما شددت إيران على أنها صاحبة المسؤولية الحصرية عن إدارة الترتيبات الأمنية الجديدة الخاصة بالممر البحري، مؤكدة أن عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية ستكون وفق الآليات التي تتولى الجمهورية الإسلامية تنفيذها.
وقال عراقجي إن الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة ينص على إعادة المضيق إلى قدرته التشغيلية السابقة خلال ثلاثين يوماً بعد إزالة الألغام البحرية والعقبات الأمنية، مشدداً على أن تنفيذ هذه الترتيبات يقع ضمن مسؤولية إيران.
وحذر الوزير الإيراني من أي محاولات لإنشاء ترتيبات أو آليات موازية لإدارة الملاحة في مضيق هرمز، معتبراً أن مثل هذه الخطوات ستؤدي إلى تعقيد الوضع الأمني وتأخير عودة حركة الشحن إلى طبيعتها، فضلاً عن زيادة احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة.
وأشار إلى أن الأحداث الأمنية التي شهدها المضيق خلال الأيام الماضية تؤكد حساسية الوضع، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بالتفاهمات التي تم التوصل إليها والعمل على منع أي تطورات قد تؤدي إلى تقويض اتفاق السلام.
كما دعا عراقجي الولايات المتحدة إلى الالتزام الكامل بالاتفاق الموقع مع إيران، مؤكداً أن إنهاء الحرب يجب ألا يقتصر على الجبهة الإيرانية، بل ينبغي أن يشمل أيضاً وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، باعتبار أن استمرارها يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض جهود التهدئة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه العراق إلى ترسيخ دوره كوسيط إقليمي قادر على استضافة الحوارات بين الأطراف المتنافسة، مستفيداً من علاقاته مع كل من إيران ودول الخليج، في محاولة لتقريب وجهات النظر وإطلاق مسار سياسي جديد يعالج الملفات الأمنية بعيداً عن المواجهة العسكرية.
ورغم عدم صدور أي مواقف رسمية من دول مجلس التعاون الخليجي بشأن المبادرة العراقية، فإن مراقبين يرون أن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الإقليمية على تجاوز تداعيات الحرب الأخيرة، وبناء تفاهمات جديدة تقوم على المصالح المشتركة، في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها أمن الملاحة في الخليج ومستقبل التوازنات الإقليمية.















