انهيار القطاع الصحي في اليمن يدفع المرضى إلى الرقية الشرعية

دفع الانهيار المتواصل للقطاع الصحي في اليمن، الناتج عن سنوات الحرب وتراجع الخدمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، آلاف المرضى إلى اللجوء إلى مراكز الرقية الشرعية باعتبارها الملاذ الأخير، في ظل عجز كثيرين عن تحمل نفقات العلاج أو الوصول إلى مستشفيات مجهزة، بينما حذر أطباء من استغلال حاجة المرضى وتأخر تشخيص أمراض خطيرة قد تهدد حياتهم.

وسلط تقرير نشره موقع ميدل إيست آي الضوء على اتساع ظاهرة اللجوء إلى المعالجين بالرقية الشرعية في مدينة تعز ومحافظات يمنية أخرى، حيث يتوافد المرضى من مختلف المناطق طلبًا للعلاج الروحي، سواء بسبب قناعتهم بفعاليته أو نتيجة انهيار المنظومة الصحية وعدم قدرتهم على تحمل تكاليف العلاج الطبي.

وأوضح التقرير أن أحد المنازل المكونة من أربعة طوابق في مدينة تعز تحول إلى مقصد لعشرات المرضى يوميًا، حيث يتردد صدى تلاوات القرآن الكريم في أرجائه، بينما ينتظر الزوار لساعات طويلة للحصول على فرصة لمقابلة أحد شيوخ الرقية الشرعية، الذين يقدمون جلسات تتضمن تلاوة القرآن الكريم، وأحيانًا الحجامة، لعلاج حالات تتراوح بين الصداع والأمراض المزمنة، وصولًا إلى السرطان.

ونقل التقرير قصة فاطمة، وهي سيدة يمنية في الستينيات من عمرها تعاني من سرطان المعدة، قالت إنها لجأت إلى الرقية الشرعية بعد أن فشلت في الحصول على علاج مناسب داخل مستشفيات محافظة تعز، وحتى بعد انتقالها إلى مدينة عدن بحثًا عن رعاية طبية متخصصة.

وأوضحت أنها توجهت إلى أحد شيوخ الرقية بناءً على نصيحة من شقيقتها، التي قالت إنها شعرت بتحسن بعد تلقي جلسات مشابهة، مضيفة أنها لم تجد خيارًا آخر بسبب تدهور الخدمات الصحية.

وقالت فاطمة إنها واصلت زيارة الشيخ لمدة ستة أشهر، حيث كان يقرأ عليها القرآن ويخبرها أن حالتها ناتجة عن “العين” وأن العلاج يحتاج إلى وقت، إلا أن وضعها الصحي استمر في التدهور حتى أصبحت غير قادرة على تناول الطعام، قبل أن يطلب منها الشيخ في نهاية المطاف مراجعة طبيب مختص بالأورام.

وأضافت أن هذه التجربة جعلتها تدرك أن حالتها تحتاج إلى علاج طبي متخصص، مشيرة إلى أنها كانت تدفع نحو 12 ألف ريال يمني أسبوعيًا مقابل جلسات الرقية، وهو مبلغ يبقى أقل بكثير من كلفة علاج السرطان، لكنها ترى أن الوقت الذي ضاع في تلك الجلسات كان ثمينًا بالنسبة لتطور المرض.

وأكدت أن علاج السرطان داخل اليمن يواجه تحديات كبيرة بسبب نقص الأجهزة الطبية المتقدمة وضعف إمكانات التشخيص والعلاج، معتبرة أن المرضى غير القادرين على السفر إلى الخارج غالبًا ما يواجهون مصيرًا مأساويًا في ظل محدودية الخيارات العلاجية داخل البلاد.

وأشار التقرير إلى أن آلاف المرضى اليمنيين يسافرون إلى الخارج لتلقي العلاج عندما تسمح ظروفهم المادية بذلك، في حين يجد غالبية السكان أنفسهم مضطرين للاعتماد على ما هو متاح داخل البلاد، سواء في المستشفيات التي تعاني نقصًا حادًا في الإمكانات أو لدى مراكز الرقية الشرعية.

ورصد التقرير انتشارًا واسعًا لمراكز الرقية في مختلف المحافظات اليمنية، خاصة في المناطق الريفية، حيث تعتمد النساء بصورة أكبر على هذا النوع من العلاج بسبب ضعف فرص التعليم، وبعد المرافق الصحية، وارتفاع تكاليف العلاج.

ونقل التقرير شهادة خديجة الغيلي، وهي سيدة خمسينية تعاني من ضيق في التنفس، قالت إنها قطعت مسافة تقارب 80 كيلومترًا من قريتها للوصول إلى أحد شيوخ الرقية المعروفين في تعز، بعد أن عجزت عن تحمل نفقات العلاج في المستشفيات الخاصة.

وأضافت أن الشيخ أجرى لها جلسات حجامة في ستة مواضع مختلفة من جسدها خلال ثلاث زيارات، مؤكدة أنها لا تزال تعاني من ضيق التنفس، لكنها تعتقد أن العلاج سيؤتي ثماره بعد استكمال الجلسات.

وأشار التقرير إلى أن سنوات الحرب ونقص التمويل أدت إلى انهيار جزء كبير من القطاع الصحي في اليمن، حيث يفتقر أكثر من 20 مليون شخص إلى الخدمات الطبية الأساسية، وفق تقديرات منظمات دولية.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 18% من المناطق اليمنية لا يوجد فيها أي طبيب، بينما خرج أكثر من نصف المرافق الصحية عن الخدمة بالكامل نتيجة الحرب ونقص الموارد.

كما أظهرت بيانات البنك الدولي أن اليمن يضم نحو 0.1 طبيب فقط لكل ألف نسمة، وهي من أدنى المعدلات عالميًا، مقارنة بمتوسط يبلغ 1.2 طبيب في الدول العربية، و1.9 طبيب عالميًا.

وفي المقابل، أكد طبيب الأورام الدكتور عادل، وفق التقرير، أن الفئات الفقيرة هي الأكثر تضررًا من انهيار القطاع الصحي، معتبرًا أن كثيرًا من المرضى يقعون ضحية غياب الخدمات الطبية، إلى جانب استغلال بعض من يمارسون الرقية الشرعية لأوضاعهم المعيشية الصعبة.

وفي المقابل، دافع المعالج الروحي المعروف باسم “أبو أحمد”، الذي يمارس الرقية منذ أكثر من عشرين عامًا، عن هذا النوع من العلاج، مؤكدًا أنه لا يشكل بديلًا عن الطب الحديث، وإنما يقتصر على الحالات المرتبطة، بحسب اعتقاده، بالحسد أو العين أو السحر.

وقال إن المعالجين الملتزمين ينصحون المرضى بالتوجه إلى المستشفيات عندما يتبين أن حالاتهم تحتاج إلى تدخل طبي، محذرًا في الوقت نفسه من أشخاص يستغلون غياب الرقابة لافتتاح مراكز رقية بهدف تحقيق مكاسب مالية.

وأوضح أن مهنة الرقية الشرعية لا تخضع لأي نظام ترخيص رسمي في اليمن، الأمر الذي يتيح لأي شخص ممارسة هذا النشاط، داعيًا إلى أن يبقى هذا العمل تطوعيًا أو مقابل مبالغ رمزية، خاصة بالنسبة للفئات غير القادرة على الدفع.

ويرى التقرير أن استمرار انهيار المنظومة الصحية واتساع رقعة الفقر يدفعان أعدادًا متزايدة من اليمنيين إلى البحث عن بدائل للعلاج، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي تأخر التشخيص الطبي إلى تفاقم الأمراض المزمنة والخطيرة، في ظل غياب بنية صحية قادرة على تلبية احتياجات ملايين السكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى