كندا تعلن عزمها الاعتراف بدولة فلسطين وترامب يهددها بعقوبات تجارية

أعلن رئيس وزراء كندا مارك كارني أن بلاده تعتزم الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين بحلول سبتمبر المقبل، ما أثار موجة ردود فعل حادة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي توعد أوتاوا بإجراءات اقتصادية عقابية، في حال مضيها بهذا القرار.
جاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة أوتاوا، حيث أكد أن حكومته اتخذت قرارها “استنادًا إلى المبادئ الكندية في دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها”، مضيفًا أن “الفلسطينيين يستحقون دولتهم المستقلة، وقد حان الوقت لترجمة هذا المبدأ إلى خطوات سياسية ملموسة”.
وأوضح رئيس الوزراء أن قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يكن مفاجئًا أو اندفاعيًا، بل جاء نتيجة “نقاش داخلي معمّق وتقدير لتراجع فرص تطبيق حل الدولتين في السنوات الأخيرة”. وشدد على أن “الاعتراف ليس بديلاً عن المفاوضات، بل خطوة تهدف إلى إعادة إحياءها على أساس الشرعية الدولية”.
لا تنسيق مع واشنطن
في رده على أسئلة الصحفيين بشأن ما إذا كانت هناك مشاورات مسبقة مع الولايات المتحدة حول الخطوة، أكد مارك كارني أن “كندا تتخذ قرارات سياستها الخارجية باستقلالية”، مضيفًا: “رغم أننا ننسق مع حلفائنا وخصوصًا الولايات المتحدة في ملفات كثيرة، فإن هذا القرار اتُخذ انطلاقًا من المصلحة الكندية ومن تقديرنا لأهمية هذا التوقيت”.
وأكد أن “الولايات المتحدة تظل شريكًا أساسيًا في عملية السلام في الشرق الأوسط وفي ملفات دولية عديدة”، لكنه شدد على أن “الديناميكية السياسية المتغيرة عالميًا، وتحركات دول أخرى نحو الاعتراف بفلسطين، جعلت من الضروري أن يكون لكندا موقف واضح ومؤثر”.
وأشار مارك كارني إلى أن “مفاوضات بنّاءة” لا تزال جارية مع الجانب الأميركي، لكنه لمح إلى احتمال تأخر نتائج هذه المشاورات لما بعد الأول من أغسطس، في إشارة إلى استمرار التباين في الرؤى بين البلدين.
ترمب يهاجم كندا على “تروث سوشيال”
وفي رد سريع وغاضب، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصته “تروث سوشيال”: “يا للهول! أعلنت كندا للتو دعمها لقيام دولة فلسطينية، وهذا سيجعل من الصعب جدًا علينا إبرام اتفاقية تجارية معهم. يا للهول!”
وجاءت تصريحات ترمب في سياق تصعيده السياسي المستمر خلال حملته الانتخابية، حيث يحاول استعادة البيت الأبيض في الانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل.
ويُعرف ترمب بموقفه المؤيد بشدة لإسرائيل، وقد سبق أن نقل السفارة الأميركية إلى القدس خلال فترة رئاسته، في خطوة أثارت انتقادات دولية واسعة.
وفي تصريحات لاحقة لمسؤولين من البيت الأبيض نقلها موقع “أكسيوس”، قال مصدر مطّلع إن “الرئيس ترمب يرى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية في هذا التوقيت يُعتبر مكافأة لحركة حماس، في الوقت الذي ينبغي فيه تركيز الجهود على تقديم المساعدات الإنسانية لسكان قطاع غزة”، في إشارة إلى الأوضاع الكارثية التي يعيشها المدنيون هناك منذ شهور.
حراك دولي نحو الاعتراف بفلسطين
يأتي الإعلان الكندي في سياق تحرك دبلوماسي متزايد نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد إعلان دول مثل إيرلندا وإسبانيا والنرويج في وقت سابق من هذا العام اعترافها الرسمي بفلسطين.
كما تجددت المطالبات داخل الاتحاد الأوروبي بضرورة دعم هذا التوجه، في ظل انسداد الأفق السياسي وتصاعد الانتهاكات بحق المدنيين في الأراضي المحتلة.
ويرى مراقبون أن الخطوة الكندية تمثل نقلة نوعية على الساحة الدولية، بالنظر إلى ثقل كندا السياسي والاقتصادي وعلاقتها التاريخية المتينة مع الولايات المتحدة، ما يجعل موقفها نقطة ضغط محتملة على إدارة بايدن، رغم تحفظ البيت الأبيض الرسمي حتى اللحظة.
غضب إسرائيلي وتأييد فلسطيني
في الجانب الآخر، عبرت الحكومة الإسرائيلية عن “خيبة أمل شديدة” من إعلان كندا، واعتبرته “انحيازًا ضد إسرائيل وتشجيعًا للتطرف”.
بينما رحبت السلطة الفلسطينية بالخطوة، ووصفتها بـ”الشجاعة والمتوازنة”، مؤكدة أنها تعكس التزامًا حقيقيًا بالقانون الدولي وستسهم في تصحيح الظلم التاريخي الواقع على شعبنا، ويعزز الجهود نحو سلام عادل وشامل.
ورغم نبرة التهديد التي استخدمها ترمب، فإن كندا تبدو مصممة على المضي قدمًا في الاعتراف بدولة فلسطين، مع ترك الباب مفتوحًا للتنسيق مع الولايات المتحدة حول الأطر العامة لمرحلة ما بعد الإعلان الرسمي.
ويبدو أن حكومة مارك كارني تراهن على أن تحركاتها الدبلوماسية ستضع كندا في موقع “الوسيط الأخلاقي” في ملف طالما عانت فيه المبادرات الغربية من الانحياز وفقدان المصداقية، كما تعكس رغبتها في أن تلعب دورًا أكثر فعالية في إعادة تفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط.
وبينما يراقب العالم هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل يكسر الاعتراف الكندي الجمود القاتل في ملف القضية الفلسطينية، أم سيزيد من تعقيد العلاقات عبر الأطلسي في ظل انتخابات أميركية تلوح في الأفق؟.















