السفير الاميركي الأسبق في السعودية يقدم أربعة أسباب للرد السعودي الحاسم على الإمارات

ردت المملكة العربية السعودية بحزم وقوة على سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو تنظيم سياسي وعسكري يحظى بدعم دولة الإمارات العربية المتحدة، على محافظتين في جنوب اليمن، وعلى شحنة لاحقة قالت الرياض إنها تضم أسلحة ومركبات أُرسلت من الإمارات إلى قوات المجلس.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد تأسس عام 2017 بدعم إماراتي، ويتبنى أيديولوجية انفصالية وعداءً واضحًا للإسلاميين. ورغم ذلك، ظل جزءًا لا يتجزأ من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، حتى مع سعيه المعلن لإقامة ما يسميه «دولة جنوب العربية» المستقلة.

وفي عام 2022، انضم المجلس إلى مجلس القيادة الرئاسي، الذي حظي منذ تأسيسه بدعم السعودية، وبدعم إماراتي ظاهري كذلك.

وتقرأ السعودية تحركات المجلس الانتقالي على أنها تمهيد للانفصال عن الدولة اليمنية وإعلان الاستقلال بدعم إماراتي، وترى في شحنة الأسلحة المزعومة دليلًا ملموسًا على تسهيل هذه الخطط.

وفي بيان علني غير معتاد في صراحته، صدر في الثلاثين من ديسمبر، وجّهت وزارة الخارجية السعودية انتقادًا مباشرًا إلى دولة الإمارات، ووصفت أفعالها بأنها «تهديد للأمن الوطني للمملكة»، ودعت أبوظبي إلى «قبول طلب الجمهورية اليمنية بخروج جميع قواتها من الجمهورية اليمنية خلال أربعٍ وعشرين ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن».

وسارعت الإمارات في اليوم نفسه إلى إصدار رد رسمي نفت فيه وجود أسلحة في الشحنة، معتبرة أن البيان السعودي تضمّن «مغالطات جوهرية بشأن دور دولة الإمارات في التطورات الجارية في الجمهورية اليمنية»، وأكدت رفضها القاطع «أي محاولة للزج باسمها في التوترات بين الأطراف اليمنية»، نافية ممارسة أي ضغوط أو إصدار توجيهات لأي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية من شأنها تقويض أمن المملكة أو استهداف حدودها.

وفي تطور متزامن، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، أيضًا في الثلاثين من ديسمبر، سحب وحداتها لمكافحة الإرهاب من اليمن، وهي—بحسب تقارير—القوات العسكرية الإماراتية الوحيدة المتبقية في البلاد.

غير أن منظور السعودية يذهب إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن ليُقدم على الاستيلاء على أراضٍ في حضرموت والمهرة دون ضوء أخضر إماراتي. وبالنسبة للرياض، يعني ذلك أن أبوظبي قدّمت دعمها للمجلس الانتقالي على حساب علاقتها بالسعودية.

وترى المملكة أن استيلاء قوات مدعومة إماراتيًا على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات مدعومة سعوديًا يُعد خطوة عدائية، لا سيما أن جميع هذه القوى كان يُفترض أن تنخرط في قتال العدو المشترك، أي الحوثيين. كما تعتبر الرياض أن الإمارات، عبر هذا السلوك، تؤجّج صراعًا إقليميًا غير مبرر في توقيت بالغ الحساسية.

ورغم أن الأيام الماضية شهدت تبادل تصريحات قاسية وغير مسبوقة، فإن التطورات تجاوزت حدود الحرب الكلامية. فقد نفذت القوات السعودية ضربات جوية مرتين في جنوب اليمن، حيث شنت في السابع والعشرين من ديسمبر غارات تحذيرية في محيط قوات المجلس الانتقالي بمحافظة حضرموت.

كما أفادت تقارير بأن القوات السعودية قصفت في الثلاثين من ديسمبر شحنة قالت إنها قادمة من الإمارات إلى ميناء المكلا، وتضم أسلحة ومركبات مخصصة لقوات المجلس الانتقالي.

وفي حين أكدت الرياض صحة هذه الرواية، نفت الإمارات ذلك بسرعة، وقالت إن الشحنة لم تكن سوى مركبات مخصصة لقواتها في جنوب اليمن، وإن دخولها تم بالتنسيق مع القوات السعودية والحكومة اليمنية.

ولا يزال الدور الإماراتي ودوافعه في هذه التطورات موضع تساؤل، غير أن اندفاع السعودية إلى رد فعل حاد يبدو، من وجهة نظر مراقبين، أكثر قابلية للفهم في ضوء أربعة اعتبارات رئيسية:

أولًا: تقوم المقاربة السعودية للمنطقة بأكملها على خفض التصعيد في صراعات مزمنة لا تلوح لها حلول مُرضية. فمنذ تسع سنوات، تخوض المملكة تحولًا اجتماعيًا واقتصاديًا طموحًا، وترى في استمرار الصراعات الإقليمية تهديدًا مباشرًا لنجاح هذا المسار.

ويصعب، في نظر الرياض، جذب المستثمرين الدوليين أو السياح في ظل صراع مفتوح على حدودها الجنوبية، أو في ظل خطر استهداف مدنها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وترى السعودية، بحق أو بغير حق، أن الإمارات تؤجّج صراعات إقليمية لن تنتهي بخير لأحد، في وقت تسعى فيه المملكة إلى التهدئة والاستقرار.

ثانيًا: تنظر الرياض إلى أي حركة انفصالية على حدودها الجنوبية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني. فالصراع في جنوب اليمن، إذا أفضى إلى إعلان استقلال بقيادة المجلس الانتقالي، سيُضعف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويصب في مصلحة الحوثيين، ما يعني بالضرورة موطئ قدم أقوى لإيران في شبه الجزيرة العربية.

كما أن سيناريوهات الانفصال محفوفة بالمخاطر، بدءًا من احتمال اندلاع اقتتال داخلي بين القوى المناهضة للحوثيين، وصولًا إلى تشجيع الحوثيين على توسيع سيطرتهم، أو تقليص النفوذ السعودي في اليمن.

وكل هذه المخاطر غير مقبولة بالنسبة لولي العهد السعودي، ما يفسر سعي الرياض إلى وأد النزعة الانفصالية في مهدها، وتمسكها بأن تُحل «القضية الجنوبية العادلة» عبر الحوار ضمن حل سياسي شامل لليمن.

ثالثًا: قد تتوقع السعودية تهديدات لأمنها من قوى بالوكالة مدعومة من إيران، لكن الصدمة تكون أشد عندما تأتي هذه التهديدات بدعم من دولة شقيقة داخل مجلس التعاون الخليجي. وهذا وحده يفسّر عمق خيبة الأمل السعودية من السلوك الإماراتي، إذ ترى الرياض أن استمرار هذا النمط من التصرفات يهدد تماسك المجلس وقدرته الجماعية على مواجهة الخصوم الحقيقيين.

رابعًا: يقف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على أعتاب تولي العرش عاجلًا أم آجلًا، وربما قريبًا. وعلى الرغم من المساواة النظرية بين دول مجلس التعاون، يُنظر إلى ملك السعودية تقليديًا بوصفه «الأول بين متساوين»، بل وقائدًا للعالمين العربي والإسلامي لدى كثيرين. وليس هذا توقيتًا يمكن فيه الظهور بمظهر المتهاون في حماية الأمن الوطني، أو المتساهل مع تهديد وحدة اليمن، أو المفرّط في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني.

ويستحضر هذا الخلاف أصداء الأزمة الخليجية عام 2017، التي نشأت من اتهامات مشابهة بتقويض الأمن الجماعي، وانتهت لاحقًا بالمصالحة بدافع الضرورات الاقتصادية المشتركة. غير أن الخلاف الحالي بشأن اليمن يُعد أخطر أزمة علنية داخل مجلس التعاون منذ ذلك الحين.

ويبدو أن السعودية حاولت معالجة الخلاف مع الإمارات بهدوء خلال الأسابيع الماضية، لكن الشحنة المزعومة إلى ميناء المكلا كانت، من وجهة نظر الرياض، القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفعَتها إلى إعلان مظالمها علنًا واللجوء إلى العمل العسكري.

وتُمثل هذه التطورات لحظة بالغة الخطورة لمجلس التعاون الخليجي، إذ إن كل يوم يمر دون احتواء الأزمة يشكل مكسبًا لإيران ولسائر خصوم المجلس في المنطقة.

— مايكل راتني، السفير الأميركي الأسبق في السعودية، مستشار أول (غير مقيم) في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى