الغارديان: تحقيقات دولية بشأن أسلحة بريطانية وأمريكية بيعت للإمارات وانتهت بيد قوات الدعم السريع

كشف تحقيق لصحيفة الغارديان البريطانية أن معدات عسكرية بريطانية استوردتها دولة الإمارات العربية المتحدة تم العثور عليها في السودان بعد أن استخدمتها قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا قوية متهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في إقليم دارفور.

ويشير التحقيق إلى أن الأدلة التي جمعها خبراء الأمم المتحدة تظهر مسارًا معقدًا لتجارة السلاح، ينتهي بوصول معدات غربية الصنع إلى أيدي جماعات مسلحة تخوض حربًا مدمّرة ضد المدنيين.

وقالت الصحيفة إن الصور والتقارير الميدانية التي استعرضها فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة توثّق وجود مكونات بريطانية الصنع في ناقلات جند ومدرعات وأجهزة اتصالات عسكرية استخدمتها قوات الدعم السريع في معارك داخل مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي شهدت خلال الأشهر الماضية مواجهات عنيفة أدت إلى مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف من المدنيين.

ووفقًا للمصادر التي تحدثت للغارديان، فإن هذه المعدات تم تصديرها في الأصل إلى دولة الإمارات ضمن صفقات تجارية مرخصة من قبل الحكومة البريطانية، لكن من المرجح أنها أعيد توجيهها لاحقًا إلى السودان، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة المفروض على البلاد منذ عام 2005 بقرار من مجلس الأمن الدولي.

وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى أن بعض هذه المعدات تطابق مكونات تُستخدم عادة في المركبات البريطانية من طراز “إينوك” و”باتريا”، والتي رُصدت في أيدي قوات الدعم السريع أثناء القتال في مناطق دارفور والفاشر.

واعتبر الخبراء أن الأدلة المتاحة تُظهر وجود “نمط متكرر لتحويل الأسلحة من الإمارات إلى أطراف في نزاعات إقليمية”، في انتهاك محتمل لحظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن على السودان منذ عام 2005.

وفي تعليقها على هذه النتائج، قالت الغارديان إن الإمارات تواجه اتهامات متزايدة من الأمم المتحدة ودول غربية بلعب دور محوري في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، رغم إنكارها المتكرر لهذه الاتهامات.

فقد أشارت تقارير أممية سابقة إلى أن شحنات أسلحة وذخائر انطلقت من قواعد إماراتية في ليبيا وتشاد وصلت إلى مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع في دارفور، وهو ما اعتبره مراقبون “نمطاً ثابتاً لتحويل السلاح من الخليج إلى مناطق النزاع الإفريقية”.

وأضاف التقرير أن الإمارات تُعدّ أحد أبرز مستوردي المعدات الدفاعية من بريطانيا، إذ بلغت قيمة تراخيص تصدير السلاح والمعدات العسكرية إليها أكثر من 11 مليار جنيه إسترليني منذ عام 2016، بحسب بيانات وزارة التجارة البريطانية. وتشمل هذه التراخيص طائرات مروحية وأنظمة رادار ومكونات إلكترونية عسكرية يمكن استخدامها في عربات مدرعة ومركبات قتالية.

ويقول محللون تحدثوا للغارديان إن استمرار الحكومة البريطانية في منح تراخيص تصدير عسكرية للإمارات “يضع لندن في موقف أخلاقي وقانوني صعب”، خاصة بعد ظهور أدلة تربط بعض هذه المعدات بنزاعات دامية في اليمن وليبيا، والآن السودان.

وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية للصحيفة بأن بلاده تأخذ على محمل الجد جميع الادعاءات المتعلقة بإساءة استخدام الصادرات العسكرية البريطانية، مؤكداً أن لندن “تراجع باستمرار تراخيصها لضمان الالتزام بالقانون الدولي”. إلا أن الوزارة رفضت التعليق على الحالات المحددة الواردة في تقارير الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن التحقيقات “لا تزال جارية”.

من جانب آخر، قال أحد خبراء الأمم المتحدة المشاركين في التحقيق للغارديان – طلب عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية – إن الأدلة الجديدة “تُظهر بوضوح أن مسار السلاح لا يتوقف عند حدود الصفقة التجارية، بل يستمر عبر شبكات إقليمية تتداخل فيها المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية”.

وأضاف: “إذا ثبت تورط أطراف إماراتية رسمية أو خاصة في نقل هذه المعدات، فإن ذلك يشكل انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن”.

وفي الخرطوم، رفض متحدث باسم قوات الدعم السريع التعليق على التقرير، لكنه وصف الاتهامات بأنها “جزء من حملة دعائية تستهدف تشويه صورة القوات”، بينما لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة السودانية المعترف بها دولياً حول ما ورد في التقرير.

ويشير التحقيق إلى أن التورط البريطاني غير المباشر في الصراع السوداني يسلط الضوء على “ثغرات كبيرة في نظام الرقابة على صادرات السلاح” الذي تتبعه لندن، خصوصاً في ظل الانتقادات الواسعة التي تواجهها بسبب مبيعاتها العسكرية إلى دول متهمة بانتهاكات حقوقية مثل السعودية والإمارات.

وفي هذا السياق، قالت كيت ألين، المديرة السابقة لمنظمة العفو الدولية في بريطانيا، إن الحكومة البريطانية “لا يمكنها أن تتظاهر بالبراءة بينما تبيع الأسلحة لدول معروفة بتحويلها إلى مناطق نزاع”.

وأضافت في تصريح للغارديان: “تكرار هذه الحوادث يؤكد أن نظام الترخيص البريطاني بحاجة إلى إصلاح جذري، لأنه يسمح للشركات ببيع الأسلحة دون ضمان حقيقي لوجهتها النهائية”.

ويأتي هذا التحقيق في وقتٍ تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من “كارثة إنسانية غير مسبوقة” في السودان، حيث أدى الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى مقتل أكثر من 15 ألف شخص وتشريد ما يزيد على 8 ملايين آخرين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن استمرار تدفق الأسلحة إلى السودان “سيؤدي إلى تفكك الدولة تماماً”، داعياً المجتمع الدولي إلى “التحرك العاجل لوقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة”.

ويرى مراقبون أن التحقيق الذي نشرته الغارديان قد يفتح الباب أمام تحقيقات أوسع في البرلمان البريطاني حول صادرات السلاح إلى الإمارات، خصوصاً إذا ثبت تورط شركات بريطانية في بيع معدات استخدمتها لاحقاً جماعات متورطة في جرائم حرب. كما قد يدفع هذا الكشف الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في سياسات مراقبة السلاح المصدّر إلى منطقة الخليج.

وفي ختام تقريرها، قالت الغارديان إن قضية “الأسلحة البريطانية في السودان” تمثل مثالاً صارخاً على كيف يمكن لصفقات السلاح القانونية أن تتحول إلى أدوات لتأجيج النزاعات في مناطق تعاني من هشاشة أمنية وإنسانية.

وأضافت أن هذه القضية “تثير أسئلة جوهرية حول مسؤولية الدول الغربية في مراقبة صادراتها، وحول مدى التزام حلفائها الإقليميين بالقيود الدولية المفروضة على تجارة السلاح”.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى