واشنطن بوست: ترامب يهمّش نتنياهو ويغض الطرف عن غزة خلال جولته

نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً للكاتب إيشان ثارور أضاء فيه على جولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط، والتي شملت السعودية وقطر والإمارات.
ورغم الزخم الكبير الذي رافق الزيارة، فإن ترامب، وفقاً للتقرير، عاد من دون إنجاز ما لطالما وصفه بـ”الصفقة الكبرى” للمنطقة، مكتفياً بسلسلة صفقات اقتصادية وتجارية، بينما ظل الوضع في غزة على حاله، وتعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتهميش.
ففي الوقت الذي تفاخر فيه ترامب بجملة من الاتفاقيات الاستثمارية الكبرى وصفقات في مجال التسليح والذكاء الاصطناعي، لم يحقق أي تقدم يُذكر في الملفات الجيوسياسية المعقدة، بل قدم فقط تصريحات فضفاضة حول السلام، وفتح باب الحوار مع إيران بشأن برنامجها النووي، مما أثار امتعاض تل أبيب.
ومن أبرز القرارات التي فاجأت حتى مستشاريه، إعلان ترامب وقف الحملة العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى رفع العقوبات المفروضة على سوريا منذ عقود، وهو ما اعتُبر دفعة مهمة لحكومة دمشق الانتقالية. كما أدان ترامب سياسات التدخل الأميركية في المنطقة، متخلياً بذلك عن نهج اعتمدته الإدارات السابقة.
إسرائيل، من جانبها، لم تُخف قلقها من التحولات في موقف واشنطن. فقد بدا واضحاً، بحسب التقرير، أن ترامب تجاوز نتنياهو، حليفه المقرب في ولايته الأولى، ولم يمنحه أياً من “الهدايا السياسية” السابقة. بل إن توجهات ترامب نحو طهران ودمشق، ووقف الدعم العسكري في اليمن، بدت كإشارات تخالف الرؤية الإسرائيلية للمنطقة.
وفي حين كانت إسرائيل تواصل غاراتها المكثفة على غزة خلال جولة ترامب، حيث أفادت التقارير بسقوط أكثر من 100 قتيل في يوم واحد بينهم 20 طفلاً، لم يقدم الرئيس الأميركي أي مبادرة ملموسة لوقف التصعيد أو معالجة الكارثة الإنسانية في القطاع.
بل اكتفى بإعادة طرح فكرته القديمة بتحويل غزة إلى “منطقة حرة”، عبر تدخل أميركي مباشر لإعادة الإعمار وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي، وهو مقترح أثار موجة انتقادات واسعة.
ورغم إشادة ترامب باتفاقيات أبراهام التي رعتها إدارته الأولى، إلا أن هذه الاتفاقيات بدت غائبة عن اهتمامه خلال جولته الثانية، وهو ما قرأته إسرائيل على أنه تراجع في مسار التطبيع العربي-الإسرائيلي، وانعكاس لتغير الأولويات الأميركية.
وفي قطر، ورغم تصريحات ترامب عن قرب التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، لم تحرز المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في غزة أي تقدم. وقد عرقلت مواقف نتنياهو المتشددة، خاصة إصراره على مواصلة الحملة العسكرية حتى “سحق حماس”، جهود الوساطة القطرية.
كما تعرض نتنياهو لانتقادات داخلية من عائلات الأسرى الإسرائيليين الذين اتهموه باستخدام الحرب وسيلة لتحقيق أهدافه السياسية.
البيت الأبيض أظهر في بياناته تململاً واضحاً من تعنّت نتنياهو، بينما وصف ترامب إطلاق سراح المواطن الأميركي-الإسرائيلي إيدان ألكسندر من قبل حماس بأنه “بادرة حسن نية”، ما يعكس تحولاً في الخطاب تجاه الحركة، لا سيما في ظل انخراط قطر في جهود الوساطة.
ويرى مراقبون، من بينهم إيلان غولدينبرغ من منظمة “جيه ستريت”، أن ترامب في ولايته الثانية لم يعد ينظر إلى إسرائيل من الزاوية الأيديولوجية ذاتها، بل أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم العلاقات من منظور مالي وتجاري. فبالنسبة له، إسرائيل لم تعد ذلك “الحليف الاستراتيجي العميق”، بل “أصل جغرافي” في منطقة تعج بفرص الاستثمار والعقود الضخمة.
دينيس روس، المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط، وصف هذا التحول بأنه انعكاس لنهج ترامب البراغماتي، القائم على حسابات الربح والخسارة، بعيداً عن الأطر الجيوسياسية التقليدية. ورأى أن ترامب، الذي يفاخر بإبرام صفقات بقيمة تريليونات الدولارات في الخليج، لم يعد مهتماً بتقديم دعم غير مشروط لإسرائيل.
وفي إسرائيل، بدأ بعض المحللين يعبّرون عن قلق متزايد. فقد كتب عوديد عيلام، المسؤول السابق في جهاز الاستخبارات، أن ترامب لم يعد يرى في إسرائيل “حليفاً ذا قيم مشتركة”، بل أقرب إلى “وكيل تجاري مميز”.
كما حذّر من أن التغيرات الجذرية في الحزب الجمهوري والدائرة المحيطة بترامب تضع إسرائيل أمام واقع سياسي جديد في حال عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025.
ويبدو أن إسرائيل، بحسب الصحيفة، باتت تدرك أن ترامب العائد ليس هو نفسه ترامب 2016. فقد تغيّر الخطاب، وتبدّلت الأولويات، وربما تكون “الصفقة الكبرى” المقبلة بلا توقيع إسرائيلي.















