السعودية تنضم إلى قائمة الدول التي تتجاوز حصتها في “أوبك بلس”

في تحوّل لافت في السياسة النفطية لدولة لطالما اشتهرت بانضباطها الصارم داخل تحالف “أوبك بلس”، كشفت وكالة الطاقة الدولية أن المملكة العربية السعودية قد تجاوزت حصتها الإنتاجية المتفق عليها خلال الشهر الماضي، لتنضم بذلك إلى مجموعة من الدول الأعضاء مثل العراق وكازاخستان والإمارات التي كانت تواجه انتقادات متكررة بسبب تجاوزاتها.

وبحسب وكالة بلومبيرغ يأتي هذا الكشف ضمن التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية، والذي لم تكن أبرز مفاجآته توقعات الطلب المتشائمة كما جرت العادة، بل في الأرقام الصادمة المتعلقة بحجم إنتاج المملكة.

فقد ارتفع إنتاج السعودية من النفط الخام بمقدار 700 ألف برميل يوميًا ليصل إلى 9.8 ملايين برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، بحسب تقديرات بلومبيرغ ومعطيات “أوبك” المستندة إلى مصادر ثانوية.

قفزة في الصادرات والمخزونات

إلى جانب هذا الارتفاع في الإنتاج، أشارت البيانات إلى زيادة ملحوظة في الصادرات السعودية، التي قفزت بما لا يقل عن 500 ألف برميل يوميًا، في حين قدّرت بلومبيرغ هذه الزيادة بـ 440 ألف برميل يوميًا استنادًا إلى بيانات تتبع حركة الناقلات البحرية.

لكن المفارقة الأبرز التي تزيد من شكوك تجاوز المملكة لحصتها، أن المخزونات النفطية في السعودية لم تنخفض كما هو متوقع في حالة تصدير كميات كبيرة، بل ارتفعت، ما يشير إلى أن المملكة لم تكتفِ بزيادة الصادرات، بل رفعت أيضًا الإنتاج الفعلي على أرض الواقع.

وبحسب التقرير، ارتفع كذلك معدل التكرير داخل المصافي السعودية بمقدار 300 ألف برميل يوميًا مقارنة بشهر مايو، ما يعني أن الاستخدام المحلي للخام قد تصاعد بالتوازي مع الصادرات، ما يعزز المؤشرات على أن الإنتاج الحقيقي قد ارتفع خارج نطاق الحصة الرسمية.

الرياض ترد: “تحرك تكتيكي”

رغم تلك الأرقام، سارع مسؤولون في قطاع الطاقة إلى التخفيف من وقع البيانات، مؤكدين أن التحرك السعودي “لا يعكس عودة إلى فوضى الإنتاج الحر” التي سبقت جائحة كوفيد-19، بل هو “تحرك تكتيكي مدروس” في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في الخليج العربي وممرات الشحن العالمية.

لكن هذا التفسير بدا محل تشكيك من قبل وكالة الطاقة الدولية، التي أكدت أن المعطيات على الأرض — من صادرات ومخزونات وتكرير — تُظهر بوضوح أن زيادة الإنتاج كانت فعلًا حقيقية، ولا يمكن نسبها فقط إلى عوامل مؤقتة أو إعادة توزيع نفط موجود سلفًا.

تضارب متوقع في تقرير “أوبك”

من المقرر أن تُصدر منظمة “أوبك” تقريرها الشهري يوم الثلاثاء، حيث يُنتظر أن تُظهر الأرقام الرسمية السعودية مستوى إنتاج يبلغ 9.367 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعكس التزامًا شبه تام بالحصة المستهدفة.

غير أن مصادر مطلعة أشارت إلى أن الرياض مارست ضغوطًا على بعض الجهات المستقلة الثمانية التي تقدم تقديراتها للإنتاج إلى “أوبك”، مطالبة إياها بأخذ التغيّرات في المخزونات بعين الاعتبار عند احتساب الإنتاج، وهو أمر غير معتاد ويتعارض مع النهج التقليدي المعتمد الذي يركز على الكميات المنتجة فعلًا، وليس على ما يتم تصديره أو تخزينه أو معالجته.

ويهدف هذا الطلب السعودي، وفقًا للمصادر، إلى إعادة تفسير أرقام الإنتاج بما يتماشى مع موقف الرياض، التي ترى أن بعض أدوات الرصد لا تعكس بدقة تعقيدات السوق الحالي.

التوازن الحرج داخل “أوبك بلس”

يشكّل هذا التطور تحديًا جديدًا لتحالف “أوبك بلس”، الذي يعتمد في بقائه على التزام الدول الأعضاء بحصص دقيقة تضمن توازن السوق العالمية.

فالسعودية، بوصفها أكبر منتج في “أوبك” وقائدًا فعليًا للتحالف إلى جانب روسيا، لعبت لسنوات دور “المنتج المنضبط” الذي يعوّل عليه الجميع في ضبط الإيقاع.

لكن تجاوز الرياض لحصتها — ولو بشكل غير معلن رسميًا — قد يفتح الباب أمام مزيد من التململ داخل التحالف، خصوصًا من قبل دول تتذرّع بأن التزامها يضر بمصالحها الاقتصادية، بينما تواصل دول أخرى الاستفادة من هامش المناورة خارج السقف المتفق عليه.

ويزداد القلق من أن يؤدي هذا التوجه إلى زعزعة الثقة بين الشركاء، وربما إلى عودة التنافس الإنتاجي الذي لطالما سعت “أوبك بلس” إلى كبحه منذ إنشائها عام 2016.

دوافع سعودية معقّدة

بينما تظل الأسباب الرسمية خلف زيادة الإنتاج غير واضحة، يرى مراقبون أن السعودية قد تكون مدفوعة بجملة من العوامل، على رأسها تراجع إيراداتها النفطية في ظل أسعار غير مستقرة، وارتفاع كلفة المشروعات الضخمة ضمن “رؤية 2030″، إضافة إلى تصاعد المنافسة من دول مثل إيران التي عادت إلى التصدير بوتيرة أعلى رغم العقوبات.

كما أن السعودية قد تكون تحاول إرسال رسالة ضمنية إلى بقية أعضاء “أوبك بلس” بأنها تحتفظ بحق تعديل إنتاجها وفقًا لمصالحها، خاصة إذا شعرت أن التزامها الصارم لا يُقابل بالمثل من قبل حلفائها.

وانضمام السعودية إلى قائمة الدول التي تتجاوز حصصها الإنتاجية يشكل تحولًا لافتًا في توازنات “أوبك بلس”، ويثير تساؤلات جدية حول مدى استدامة التوافق داخل التحالف. وبينما قد تبدو الخطوة تكتيكية ومؤقتة من وجهة نظر الرياض، إلا أن تأثيرها على الثقة والمصداقية في آلية الحصص لن يمر مرور الكرام في أروقة “أوبك” والأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى