منظمات حقوقية: السعودية تمارس الغسيل الرياضي لحرف الأنظار عن سجلها السيء في ملف حقوق الإنسان

رصدت منظمات حقوقية محاولات السعودية للسيطرة على الأندية الأوروبية وشراء أفضل نجوم كرة القدم، ما هي إلا خطوة أولى فقط في مشروع طموح تحت رعاية وليي العهد الأمير “محمد بن سلمان”، يهدف لكي يكون للمملكة، بحلول العام 2030 على الأقل، دور واحد من أفضل عشر دوريات في العالم.
قوبلت هذه السياسة بانتقادات غربية لاذعة، وشملت الانتقادات وضع مصطلحات مثل: الغسيل أو التبييض الرياضي لحرف الأنظار عن سياسات المملكة وسجلها الداخلي السيء في ملف حقوق الإنسان، وفاقًا للمنظّمات الحقوقية العالمية.
في هذا الصدد، نحاول رصد هذه الظاهرة وتقويمها وفاقًا للعيون الغربيّة، وذلك لتبيان مدى نجاح المملكة في هذه الخطوة، حيث مجال تقويمها الواقعي هو الغرب؛ لأنّ المملكة تخاطبه بهذه الخطوات.
المظاهر
لقد أصبح اهتمام السعودية بالرّياضة واضحًا، وهو ما رصدته عدة تقارير غربيّة. ففي تقرير صدر قبل عامين، قالت منظّمة “غرانت ليبرتي” لحقوق الإنسان، ومقرّها لندن، إنّ السّعوديّة استثمرت نحو 1.5 مليار دولار على استضافة أحداث رياضيّة عالميّة ودعمها، خلال السّنوات القليلة الماضية، فيما زاد هذا الرّقم كثيرًا، خلال العامين الماضيين، مع ضخّ استثمارات كبيرة في عالم كرة القدم والغولف وسباق السّيارات والكريكيت.
كما أنفق الصّندوق السّيادي السّعودي، والمعروف باسم “صندوق الاستثمارات العامّة”، نحو 800 مليون دولار على جولة واحدة من بطولة “لايف غولف”، في العام 2022، بحسب ما ذكره المسؤول السّابق في البطولة “أتول خوسلا”.
وتزامن هذا مع شراء الصندوق نادي “نيوكاسل يونايتد” الإنجليزي لكرة القدم مقابل 400 مليون يورو (438 مليون دولار)، في العام 2021، مع إنفاق أكثر من 300 مليون يورو على شراء لاعبين جدد.
إزاء ذلك؛ تصدّر الدوري السّعودي عناوين الصّحف العالميّة بعد نجاح نادي “النّصر السّعودي” في ضمّ النّجم البرتغالي “كريستيانو رونالدو” إلى صفوفه.
كما أعلنت السّعوديّة، مؤخرًا، عن خطط لزيادة الإنفاق على لعبة الكريكيت، بشكل كبير، في إطار مساعيها؛ كي تصبح “وجهة عالميّة للكريكيت” من خلال استضافة أكبر بطولات هذه الرّياضة شهرة في العالم.
إضافة إلى ذلك؛ ذكرت التّقارير أنّ صندوق الاستثمارات العامّة السّعودي يسعى لشراء سباقات “فورمولا 1” للسيارات مقابل 20 مليار دولار.
ومؤخرًا، جاء التأكيد على أنّ لاعبًا أسطوريًا آخر، وهو “كريم بنزيمة”، سينضمّ إلى “كريستيانو رونالدو” في دوري المحترفين السّعودي.
كما استحوذ صندوق الاستثمارات العامّة على أربعة من الأندية الكبرى في البلاد، مع توقع جولة جديدة من الإنفاق.
كما تتزايد التوقّعات بأنّ هذه الصفقات كلّها مصمّمة لتمهيد الطريق أمام محاولة سعوديّة لاستضافة كأس العالم في العام 2030.
المدافعون:
هناك من الخبراء من يرى أنّ المكاسب السّعوديّة من وراء هذا الإنفاق الرياضي الضّخم لا يتوقّف عند الأهداف السّياسيّة؛ إنّما قد يحمل الأمر في طيّاته مكاسب اقتصاديّة.
فعلى سبيل المثال؛ جاء اختيار “لبونيل ميسي” سفيرًا للسيّاحة في السّعوديّة، في إطار مساعي “الرّياض” إلى تنويع اقتصادها بعيدًا عن اعتمادها الحالي على النفط.
الانتقادات الرياضيّة:
قبل الخوض في الانتقادات السّياسيّة، ينبغي عرض نقد رياضي، جاء على لسان رئيس الاتّحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، “ألكسندر شيفرين”، والذي قال إنّ “الرّياض” ترتكب خطأ بالاستثمار في شراء نجوم، وهم في نهاية مسيرتهم الكرويّة.
وأضاف: “لماذا هذه مشكلة بالنسبة إليهم؟ لأنّهم يجب أن يستثمروا في الأكاديميّات، ويجب أن يجلبوا مدرّبين، ويجب عليهم تطوير لاعبيهم” ..وتابع: “نظام شراء اللاّعبين الذين توشك مسيرتهم على الانتهاء، ليس هو النّظام الذي يطوّر كرة القدم. هذا خطأ ارتكبته الصّين عندما جلبت لاعبين في نهاية مسيرتهم”.
الانتقادات السياسية:
الأهمّ، هنا، هو رصد تقويم الخطوة بعيون غربيّة سياسيّة؛ لأنّ الخطوة سياسيّة بالأساس، كما أنّها موجهة للغرب. فقد تعرّضت طموحات السّعوديّة الرياضيّة لانتقادات من العديد من المنظّمات الحقوقيّة، خاصّةً ما تسمّيه “تبييض رياضي”.
وهو مصطلح يُقصد به “القيام برعاية فريق أو حدث رياضي من أجل تشتيت الانتباه عن الممارسات السّيئة في أماكن أخرى”، وذلك وفاقا لتعريف منظّمة “غرينبيس”.
إذ تقول المنظّمة إنّ سمعة السّعوديّة على السّاحة العالميّة في أزمة، جرّاء سجلّها الحقوقي، خاصّة انتهاكات حقوق الإنسان والافتقار إلى حريّة التعبير والزجّ بالمعارضين في السّجون، في ما تُعدّ واقعة مقتل الصّحافي السّعودي “جمال خاشقجي”، في اسطنبول العام 2018، المثال الأبرز على ذلك.
من جانبه، قال “جون ألترمان”، مدير برنامج الشّرق الأوسط في مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدوليّة، إنّ الهدف من الإنفاق السّعودي الضّخم على الرّياضة يتمثل في بناء صورة أكثر إيجابيّة عنها على السّاحة العالميّة.
وفي مقابلة مع صحيفة “دويتشة فيله” الألمانية، قال: “ترغب القيادة السعودية في خلق انطباعات إيجابية عن المملكة في أذهان الرأي العام العالمي، إذ إنه عندما يتطرّق الحديث في الغرب عن السّعودية، فإنّ الأمر سوف ينصب حيال ثروتها النفطيّة والإرهاب والفصل بين الجنسين”.
هذا، وشدد “ألترمان” على أن ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” ودائرته المقربة منه، يرون أن الرياضة جزء حيوي من الاستراتيجيّة الشاملة لتقوية مكانة السعودية العالميّة في السّياسة والاقتصاد.
أما بالنسبة إلى نشطاء حقوق الإنسان، فإن هذا يعزز ببساطة اعتقادهم بأن الحكومة السعودية تستخدم الجاذبية العالمية للرياضة من أجل “الغسيل الرياضي”، وصرف الانتباه عن قضايا سمعة طويلة الأمد، بما في ذلك انتهاكات حقوق المرأة، وتقييد حريّة التعبير، واستخدام عقوبة الإعدام، ومقتل الصّحفي “خاشقجي” والتدقيق في تورط البلاد في الصراع في اليمن.
في هذا السياق، يقول “فيليكس جاكنز” من منظّمة العفو الدوليّة: “قد يبدو هذا مفاجئًا لبعض عشّاق الغولف، إلا أنّه في الحقيقة مجرد دليل إضافي على مسيرة الغسيل الرياضي السّعوديّة المستمرة”.. “إنّه مجرد جزء من جهد أوسع لتصبح قوة رياضيّة كبرى، ومحاولة تشتيت الانتباه عن سجّل البلاد الفظيع في مجال حقوق الإنسان”.
كما تناول بعض الخبراء القضية من منظور الجغرافيا السّياسية والمنافسات الإقليميّة؛ حيث تتنافس المملكة مع جارتها الإمارات العربيّة المتّحدة وقطر لترسيخ مكانتها عاصمةً للرياضة في منطقة الخليج.. ربما تحتاج السّعوديّة لبعض المراجعات في هذه السّياسة بعد هذه النظرة الغربيّة لها، والمراجعة الرئيسة ينبغي أن تكون من الدّاخل السّعودي، وفي الملف الحقوقي تحديدًا.
المصدر| راصد الخليج















