ترامب يلوح بالسحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لاحتواء ارتفاع أسعار الوقود

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه اللجوء إلى الاحتياطي البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار البنزين، في ظل اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وأكد ترامب أن إدارته مستعدة لاستخدام جزء من المخزون النفطي الاستراتيجي بهدف تخفيف الضغوط على المستهلكين الأمريكيين، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الوقود يمثل تحدياً اقتصادياً وسياسياً متزايداً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة عام 2026.
وقال ترامب خلال زيارة إلى ولايتي أوهايو وكنتاكي إن إدارته ستلجأ إلى الاحتياطي النفطي إذا استمر الارتفاع في الأسعار، مضيفاً أن هذه الخطوة تهدف إلى خفض تكاليف الوقود بشكل مؤقت قبل إعادة ملء المخزون لاحقاً.
وأوضح أن الإدارة ستخفض مستوى الاحتياطي قليلاً بما يسهم في تهدئة الأسعار، على أن تتم إعادة ملء المخزون في وقت لاحق.
وجاءت تصريحات ترامب بعد توصية صادرة عن وكالة الطاقة الدولية دعت فيها الحكومات الأعضاء إلى الإفراج بشكل مشترك عن ما يصل إلى أربعمئة مليون برميل من النفط من المخزونات الاستراتيجية العالمية بهدف تهدئة الأسواق ومنع المزيد من ارتفاع الأسعار.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطراباً غير مسبوق منذ سنوات، بعد أن أدت الحرب مع إيران إلى تعطّل جزء كبير من تدفقات النفط العالمية.
وتشير تقديرات مجموعة رابيدان للطاقة إلى أن نحو عشرين في المئة من إمدادات النفط العالمية تعطلت خلال الأيام التسعة الأولى من الحرب، وهو مستوى يفوق بأكثر من الضعف حجم الاضطراب الذي شهدته الأسواق خلال أزمة السويس عندما تعطل أقل من عشرة في المئة من الإمدادات العالمية.
ودفع هذا التعطل الكبير أسعار النفط الخام إلى مستويات من ثلاثة أرقام لأول مرة منذ عام 2022، ما أدى إلى اضطراب التوازن في الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة في العديد من الدول.
وانعكس هذا الوضع مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، إذ بلغ متوسط سعر البنزين على المستوى الوطني نحو ثلاثة دولارات وسبعة وخمسين سنتاً للجالون وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية.
ويرى مراقبون أن استمرار ارتفاع الأسعار قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً في ظل حساسية أسعار الوقود لدى الناخبين الأمريكيين وتأثيرها المباشر على تكاليف النقل والسلع الأساسية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحزب الجمهوري يدرك أن السيطرة على أسعار الوقود تمثل أولوية مهمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في عام 2026، إذ تتحول أسعار الطاقة في كثير من الأحيان إلى قضية انتخابية رئيسية تؤثر في توجهات الناخبين.
ويمثل الاحتياطي البترولي الاستراتيجي أحد أهم أدوات السياسة الطاقية في الولايات المتحدة، إذ يُستخدم لمواجهة اضطرابات الإمدادات الناتجة عن الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية.
وبلغ حجم الاحتياطي حتى السادس من مارس نحو أربعمئة وخمسة عشر مليون برميل، وهو مستوى يقترب من أدنى مستوياته منذ عقود. وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن هذه الكمية يمكن أن توفر وقوداً كافياً لتشغيل مئات الملايين من السيارات بعد تكريرها.
ويشير مختصون إلى أن الاحتياطي صُمم أساساً ليكون شبكة أمان للطوارئ في حالات تعطل الإمدادات العالمية، حيث يملك الرئيس الأمريكي صلاحية الإفراج عن النفط منه بهدف استقرار الأسواق وخفض الأسعار في أوقات الأزمات.
وأكد ترامب أن الارتفاع الحالي في أسعار الوقود نتيجة الحرب مع إيران سيكون مؤقتاً، مشيراً إلى أن إدارته تبحث عن عدة خيارات لتأمين تدفق النفط عبر الممرات البحرية الحيوية.
وطرح ترامب إمكانية قيام البحرية الأمريكية بمرافقة ناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات العالمية لتصدير النفط ويشهد توترات متصاعدة منذ اندلاع الحرب.
كما تعمل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية على تقديم وثائق تأمين للسفن التجارية التي تبحر في المنطقة بهدف تشجيع استمرار حركة الشحن، رغم أن فعالية هذه الإجراءات في ظل التصعيد العسكري لا تزال غير واضحة.
وأعاد الجدل حول الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى الواجهة الخلاف السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن طريقة إدارته خلال السنوات الأخيرة.
فقد قام الرئيس السابق جو بايدن في عام 2022 ببيع أكثر من أربعين في المئة من الاحتياطي بهدف خفض أسعار الوقود بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وانتقد الجمهوريون تلك الخطوة آنذاك معتبرين أنها تركت الولايات المتحدة أكثر عرضة لاضطرابات الإمدادات العالمية، في حين أكدت إدارة بايدن أن القرار كان ضرورياً لتحقيق الاستقرار في الأسواق العالمية.
وتشير بيانات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة تمكنت في عام 2024 من استعادة جزء من المخزون عبر شراء براميل جديدة أو إلغاء مبيعات مقررة سابقاً، ليصل إجمالي ما تم استعادته إلى نحو مئتي مليون برميل.
ويتوقع خبراء الطاقة أن تبقى الأسواق العالمية في حالة تقلب خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا استمر التصعيد العسكري في الخليج أو تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.















