بوابة باب المندب: لماذا تتقاطع أطماع إسرائيل والإمارات في أرض الصومال؟

تتحول أرض الصومال، الإقليم الفقير وغير المعترف به دولياً، إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي محموم، تتقدم فيه إسرائيل ودولة الإمارات بخطوات متسارعة، تحت عناوين الاستثمار والاعتراف السياسي، بينما تكشف الوقائع عن رهانات جيوسياسية تتجاوز بكثير مصلحة سكان الإقليم أو استقرار القرن الأفريقي.

وتقع أرض الصومال في شمال الصومال، وتطل على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم: مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وقناة السويس.

ويبرز مراقبون أن هذه الجغرافيا وحدها كافية لجعل الإقليم محط أنظار القوى الساعية للنفوذ البحري والعسكري، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر.

وفي ديسمبر 2025، فجّرت إسرائيل المشهد عندما أصبحت أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بأرض الصومال في خطوة سياسية وأمنية بامتياز، قوبلت بغضب واسع في مقديشو، واحتجاجات شعبية، وتحذيرات من تهديد وحدة الصومال وسلامة الإقليم. الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وصف الاعتراف بأنه “تهديد وجودي”، ولوّح بمقاومة أي وجود عسكري إسرائيلي.

وبالنسبة لإسرائيل، لا تبدو أرض الصومال مجرد “دولة ناشئة” تبحث عن اعتراف، بل منصة محتملة للتمدد في القرن الأفريقي.

فمن هناك يمكن مراقبة أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وبناء موطئ قدم عسكري يكمّل شبكة النفوذ الإسرائيلية في البحر الأحمر، ويشكّل ورقة ضغط مباشرة في مواجهة جماعة الحوثي في اليمن، التي استهدفت سفناً مرتبطة بإسرائيل دعماً لغزة.

وبحسب المراقبين فإن حديث المسؤولين في هرجيسا عن إمكانية منح شركة إسرائيلية ميناءً أو السماح بترتيبات عسكرية، يؤكد أن الاعتراف لم يكن بلا مقابل.

أما الإمارات، فهي لاعب أقدم وأكثر رسوخاً في الإقليم. منذ عام 2016، حصلت موانئ دبي العالمية على امتياز إدارة ميناء بربرة، أحد أهم أصول أرض الصومال. وفي العام التالي، جرى الحديث عن قاعدة عسكرية إماراتية في الموقع نفسه.

وتعد بربرة بالنسبة لأبوظبي، حلقة في سلسلة قواعد ومرافئ تمتد على طول خليج عدن والقرن الأفريقي، وتخدم مشروع نفوذ بحري يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والسياسة.

وهذا الحضور الإماراتي لم يكن محايداً. فقد استخدم، وفق تقارير متعددة، لتعزيز نفوذ أبوظبي في صراعات المنطقة، من اليمن إلى السودان. الاتهامات بتهريب السلاح، ودعم قوى انفصالية، وتحويل الموانئ إلى أدوات ضغط، جعلت العلاقة بين الإمارات والحكومة الصومالية تتدهور بشدة.

وفي يناير، أعلنت مقديشو إلغاء جميع العقود الأمنية والتجارية مع الإمارات في الأراضي التي تعتبرها خاضعة لسيادتها، في خطوة عكست عمق الخلاف.

ويرى المراقبون أن التقاطع بين إسرائيل والإمارات في أرض الصومال لا يعني تطابق الأهداف، بل تلاقي المصالح.

فإسرائيل تبحث عن اعتراف ونفوذ أمني في خاصرة البحر الأحمر، والإمارات تسعى للحفاظ على شبكتها البحرية والتجارية، ولو عبر كيانات انفصالية. كلاهما ينظر إلى الإقليم بوصفه فرصة، لا مسؤولية، فيما يُترك الصومال أمام مخاطر التفكك، وتصاعد النزاع مع بونتلاند، وتدويل أزمته الداخلية.

وقد جاءت ردود الفعل الإقليمية والدولية رافضة في معظمها. جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي شددتا على وحدة الصومال، كما عبّرت المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر عن رفضها لأي خطوات انفصالية. لكن هذا الرفض، حتى الآن، لم ينجح في وقف مسار فرض الأمر الواقع.

وعليه فإن ما تريده إسرائيل والإمارات من أرض الصومال ليس تنمية الإقليم أو تحسين حياة سكانه، بل تثبيت نفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. إنها سياسة تقوم على استغلال الهشاشة، وتغذية الانقسام، وتحويل الجغرافيا إلى غنيمة. والنتيجة المتوقعة، إذا استمر هذا المسار، ليست “دولة جديدة”، بل بؤرة توتر إضافية في قرن أفريقي مشتعل أصلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى